تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{أَلَمۡ يَأۡتِهِمۡ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ قَوۡمِ نُوحٖ وَعَادٖ وَثَمُودَ وَقَوۡمِ إِبۡرَٰهِيمَ وَأَصۡحَٰبِ مَدۡيَنَ وَٱلۡمُؤۡتَفِكَٰتِۚ أَتَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِۖ فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظۡلِمَهُمۡ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ} (70)

أصحاب مدْين : قوم شُعيب .

المؤتفكات : قوم لوط .

ثم شاء أن ينبّههم ويحذرهم من سوء عاقبة أعمالهم ، فاتجه من خطابهم إلى خطاب عام ، كأنما يَعجب من هؤلاء الذين يسيرون في طريق الهالكين ، لعلّهم يعتبرون بالذين خلّوا من قبلهم ، ويتّعِظون بهم ، فيقول :

{ أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الذين مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وِأَصْحَابِ مَدْيَنَ والمؤتفكات أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بالبينات فَمَا كَانَ الله لِيَظْلِمَهُمْ ولكن كانوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } .

أفلا يعتبر المنافقون والكافرون بحال الذين سبقوهم ممن ساروا في نفس الطريق الخاطئة ، عَصَوا رسُلَهم وخالفوا أمر ربهم فأخذهم العذاب ! ! ومن هؤلاء «قوم نوح » وقد غمرهم الطوفان وأغرقهم ، وقوم «عاد » وقد أُهلِكوا بريحٍ صَرْصر عاتية ، و «ثمود » وقد أخذتْهم الصحيةُ ،

و«قوم إبراهيم » وقد أهلَك الله طاغيتَهم المتجبّر الذي حاول إحراق إبراهيم ، «وأصحاب مدين » وقد أصابتهم الرجفةُ وخنقتْهم الظُلّة ، «والمؤتفكات » قرى قوم لوط ، وقد جعل الله عاليَها سافلَها وقطَع دابرَهم . ألم يأتِهم نبأ هؤلاء الذين «أتتهم رسُلُهم بالبينات » فكذّبوا بها ، فأخذهم الله بذنوبهم ! ! ، لقد ظلموا أنفسَهم بكفرهم وتمرّدهم على الله ، وإن كثيراً ممن يبتليهم الله بالقوة والنِعمة لتغشَى أبصارَهم وبصائرهم غشاوة ، فلا يُبصرون مصارع الأقوياء قبلهم .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{أَلَمۡ يَأۡتِهِمۡ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ قَوۡمِ نُوحٖ وَعَادٖ وَثَمُودَ وَقَوۡمِ إِبۡرَٰهِيمَ وَأَصۡحَٰبِ مَدۡيَنَ وَٱلۡمُؤۡتَفِكَٰتِۚ أَتَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِۖ فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظۡلِمَهُمۡ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ} (70)

قوله تعالى : { ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم ونوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وأصحاب مدين والمؤتفكات أتتهم رسلهم بالبنيات فما كان الله ليظلهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } الاستفهام للتقرير . والضمير في { يأتيهم } عائد إلى المنافقين الذين يسرون الكفر وينهون الناس عن الإيمان بالله ورسوله وعن فعل الصالحات أولئك الذين يشبه حالهم حال الكافرين السابقين الذين دمر الله عليهم تدميرا وهو قوله : { نبأ الذين من قبلهم } أي خبر الأمم السابقة وما فعلون من العصيان والتمرد وتكذيب المرسلين ، وما حل بهم في مقابل ذلك من العقاب الشديد . أفلم يأت هؤلاء المنافقين أنباء ما حل بنظرائهم السابقين من العذاب فيزدجروا وينتهوا عما هم فيه من الظلم والعصيان لكي ينجوا مما يعددهم من العقاب .

على أن المشبه بهم من السابقين هنا في الآية ست أمم وهم : قوم نوح وقد أهلكهم الله بالطوفان والتغريق ، ثم قوم عاد وقد أهلكهم الله بالريح العقيم ، الريح الصرصر العاتية ، ثم قوم ثمود وقد أخذتهم الصيحة ، ثم قوم إبراهيم وقد بعض الله عليهم البعوض فنخرهم نخرا حتى فنوا ، ثم أصحاب مدين وهم قوم شعيب ، وقد أهلكهم الله بعذاب يوم الظلة ، ثم أصحاب المؤتفكات وهي قرى قوم لوط ، وقد سميت بالمؤتفكات ، من الائتفاك وهو الانقلاب ؛ فقد انقلب بهم الأرض حتى صار عاليها سافلها .

هذه الأمم جميعا { أتتهم رسلهم بالبينات } أي جاءهم المرسلون بالنور والهدى ليؤمنوا بالله ويستقيموا على دينه وشرعه فأبوا وعصوا ؛ فجزاهم الله بما فعلوه شر الجزاء ؛ إذ بعث عليهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ، وسيأتيهم يوم القيامة من سوء العذاب ما هو أشد وأخزى .

قوله : { فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } أي لم يكن الله ليظلم أحدا في العالمين ولا ليظلم هذه الأمم بما حل بهم من البلاء وسوء العقاب ؛ ولكنهم هم استحقوا من الله أن يحيق بهم العذاب بسبب إجرامهم وما تلبسوا به من الجحود والمعاصي{[1848]} .


[1848]:تفسير الطبري جـ 10 ص 122ـ 123 وفتح القدير جـ 2 ص 380 وتفسير القرطبي جـ 8 ص 202 وتفسير ابن كثير جـ 2 ص 368.