تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبۡلِ أَن تَقۡدِرُواْ عَلَيۡهِمۡۖ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ} (34)

ثم استثنى ممن يستحقون العقوبة من تاب قبلَ أن يقدر عليه الحاكم . فإن عقوبة الحاكم تسقط عنه ، وتبقى حقوقُ العباد ، أو الحقوق الخاصة ، فهي لا تسقط عنهم إلا إذا سامح أصحاب الحقوق . فإذا رأى الحاكم أن يُسقط الحق الخاص عن الجاني التائب ، ولمصلحةٍ هو يراها وجب على ذلك الحاكم أن يعوض أصحاب الحقوق من مال الدولة .

وفي هذا الحكم بيانُ أن الشريعة الإسلامية تنظر إلى آثار الجريمة التي فيها اعتداء مباشر على المجتمع ، وتجعل العقوبة بقدر ما تحدثه الجريمة من اضطراب فيه ، لا بقدر ذات الجرائم المرتكبة فقط .

ويُروى في سبب نزول هاتين الآيتين أن نفراً من قبيلة عُكل وعرينة قدموا المدينة ، وأعلنوا الإسلام ، فأمر لهم النبيّ بعدد من الإبل وراعٍ ، وأمرهم أن يقيموا خارج المدينة ، فانطلقوا حتى إذا كانوا بناحية الحَرَّة كفروا بعد إسلامهم ، وقتلوا الراعي وهربوا بالإبل . وحين بلغ ذلك النبيَّ بعث بعض أصحابه فأدركوهم ، وأحضروهم إلى المدينة . فعاقبهم الرسول الكريم أشد عقاب وقُتلوا جميعاً .

وعلى كل حال فإن العبرة بعموم اللفظ . وقد احتج بعموم هذه الآيات جمهور العلماءِ وقالوا : إن حكْم الذين يحاربون الله قائم ، في أي مكان حصل منهم الاعتداء ، في المدن والقرى ، أم خارجها ، لقوله تعالى : { وَيَسْعَوْنَ فِي الأرض فَسَاداً } . وهذا مذهب مالك والأوزاعي واللّيث بن سعد ، والشافعي وأحمد بن حنبل . وزاد مالك فقال : إن الذي يحتال على الرجل حتى يُدخله بيتاً فيقتله ويأخذ ما معه إنما قد حارب الله ، دمُه مهدور ، يقتله السلطان ، حتى لو عفا عنه أولياء المقتول . وقال أبو حنيفة وأصحابه : لا تكون إلا في الطرق وخارج المدن .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبۡلِ أَن تَقۡدِرُواْ عَلَيۡهِمۡۖ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ} (34)

قوله تعالى : { في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم } . فمن ذهب إلى أن الآية نزلت في الكفار ، قال معناه : إلا الذين تابوا من شركهم وأسلموا قبل القدرة عليهم فلا سبيل عليهم بشيء من الحدود ، ولا تبعة عليهم فيما أصابوا في حال الكفر من دم أو مال ؛ وأما المسلمون المحاربون فمن تاب منهم قبل القدرة عليهم ، وهو قبل أن يظفر به الإمام ، تسقط عنه كل عقوبة وجبت حقاً لله ، ولا يسقط ما كان من حقوق العباد ، فإن كان قد قتل في قطع الطريق يسقط عنه بالتوبة قبل القدرة عليه تحتم القتل ، ويبقى عليه القصاص لولي القتيل ، فإن شاء عفا عنه وإن شاء استوفى ، وإن كان قد أخذ المال يسقط عنه القطع ، وإن كان قد جمع بينهما يسقط عنه تحتم القتل والصلب ، ويجب ضمان المال ، وهو قول الشافعي رضي الله عنه . وقال بعضهم : إذا جاء تائباً قبل القدرة عليه لا يكون لأحد عليه تبعة في دم ، ولا مال ، إلا أن يوجد معه مال بعينه فيرده إلى صاحبه . روي عن علي رضي الله عنه في حارثة بن يزيد كان قد خرج محارباً ، فسفك الدماء ، وأخذ المال ، ثم جاء تائباً قبل أن يقدر عليه ، فلم يجعل عليه علي رضي الله عنه تبعة ، أما من تاب بعد القدرة عليه فلا يسقط عنه شيء منها . وقيل : كل عقوبة تجب حقاً لله عز وجل ، من عقوبات قطع الطريق ، وقطع السرقة ، وحد الزنا ، والشرب ، تسقط بالتوبة بكل حال ، و الأكثرون على أنها لا تسقط .