ثم بين الله تفضُّله عليهم مع سوء ما أتوا به من الأعمال فقال : { بَلْ مَتَّعْنَا هؤلاء وَآبَآءَهُمْ حتى طَالَ عَلَيْهِمُ العمر أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأرض نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَآ أَفَهُمُ الغالبون } .
إننا لم نعجَّل لهم العذابَ بل استدرجناهم ومتعناهم حتى طالت أعمالهم وهم في الغفلة فنسوا عهدَنا ، وجهِلوا مواقع نعمتنا ، فاغترّوا بذلك . أفلا يرى هؤلاء المشركون أنّا نقصد الأرض فتنقصها من أطرافها بالفَتْح ونصرِ المؤمنين ، ونقتَطعُها من أذى المشركين أفهم الغالبون ، أم المؤمنون الذين وعدهم الله بالنصر والتأييد ؟
ولما لم يصلح{[51003]} هذا لأن يكون سبباً لاجترائهم ، أضرب{[51004]} عنه قائلاً في مظهر العظمة ، إشارة إلى أن اغترارهم به سبحانه - مع ما له من دلائل الجلال - من أعجب العجب ، بانياً على نحو " لا كالىء لهم منه ولا مانع{[51005]} " : { بل متعنا } {[51006]}أي بعظمتنا{[51007]} { هؤلاء } {[51008]}أي الكفار{[51009]} {[51010]}على حقارتهم{[51011]} ، أو الإضراب عن عدم استطاعتهم للنصر ، {[51012]}والمعنى أن ما هم فيه من الحفظ إنما هو منا لأجل تمتيعهم بما لا يتغير به إلا مغرور{[51013]} ، لا من مانع يمنعهم{[51014]} { وءاباءهم } من قبلهم بالنصر وغيره { حتى طال عليهم العمر } فكان طول سلامتهم غاراً لهم بنا ، {[51015]}فظنوا أنه لا يغلبهم على ذلك التمتيع شيء ، ولا ينزع عنهم ثوب النعمة{[51016]} .
ولما أقام الأدلة ونصب الحجج على أنه لا مانع لهم من الله ، تسبب عن ذلك الإنكار عليهم في اعتقاد{[51017]} غيره فقال : { أفلا يرون } أي يعلمون علماً {[51018]}هو في وضوحه{[51019]} مثل الرؤية بالبصر { أنا }{[51020]} بما لنا من العظمة ، وصور ما كان يجريه من عظمته على أيدي أوليائه فقال{[51021]} : { نأتي الأرض } أي{[51022]} التي أهلها كفار ، {[51023]}إتيانَ غلبة لهم{[51024]} بتسليط أوليائنا عليهم{[51025]} .
ولما كان الإتيان على ضروب شتى ، بيّنه بقوله : { ننقصها من أطرافها } بقتل بعضهم وردّ{[51026]} من بقي عن دينه إلى الإسلام ، فهم في نقص ، وأولياؤنا في زيادة .
ولما كانت مشاهدتهم لهذا مرة بعد مرة قاضية بأنهم المغلوبون ، تسبب عنه{[51027]} إنكار غير ذلك فقال : { أفهم } {[51028]}أي خاصة{[51029]} { الغالبون* } {[51030]}أي مع مشاهدتهم لذلك{[51031]} أم أولياؤنا .
قوله تعالى : { بل متعنا هؤلاء وآباءهم حتى طال عليهم العمر أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها أفهم الغالبون ( 44 ) قل إنما أنذركم بالوحي ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون ( 45 ) ولئن مسهم نفحة من عذاب ربك ليقولن يا ويلنا إنا كنا ظالمين ( 46 ) ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين ( 47 ) } . أشار بقوله : ( هؤلاء ) إلى المخاطبين وهم كفار قريش ومن عبد من دون الله آلهة أخرى . فقد بين الله أنه متّع هؤلاء المشركين ومتّع آباءهم من قبلهم بما آتاهم من زينة الحياة الدنيا ( حتى طال عليهم العمر ) أي طالت أعمارهم في الخير والنعمة ، وطال عليهم الأمد في الرخاء ، فقست قلوبهم وظنوا أنهم دائمون في حالهم هذا . وهم في ذلك واهمون سادرون في الضلالة بإمهالهم إلى الوقت الذي يأخذهم الله فيه بالعذاب .
قوله : ( أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها ) المراد بنقص أطراف الأرض هو نقص أرض الكفر والكافرين وذلك بتسليط المسلمين عليها وإظهارهم على أهلها وجعلها دار إسلام . وذلك تبشير من الله للمسلمين حينئذ بما يفتح الله عليهم من نصر وغلبة . ويؤيد هذا التأويل قوله : ( أفهم الغالبون ) الاستفهام للتقريع والتوبيخ ؛ إذ لم يزدجروا ولم يعتبروا بما يجري عليهم من انحسار وخذلان وهزيمة ؛ فهم المغلوبون الأخسرون الأذلون .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.