ولما أخبر سبحانه عن إعراضهم عن الساعة تكذيباً ، واستدل على كونها منزهة عن الغيب في خلق هذا العالم وتعاليه عن جميع صفات النقص واتصافه بأوصاف الكمال إلى أن ختم ذلك بمثل ما ابتدأ به على وجه أصرح ، وكان فيه تنبيههم على الابتلاء وكان الابتلاء{[50873]} على قدر النعم{[50874]} ، فكان صلى الله عليه وسلم أعظم شيء ابتلوا به لأنه لا نعمة أعظم من النعمة به ، ولا شيء أظهر من آياته عطف على قوله " وأسروا النجوى " قوله : { وإذا رءاك } {[50875]}أي وأنت أشرف الخلق وكلك{[50876]} جد وجلال وعظمة وكمال { الذين كفروا } فأظهر منبهاً{[50877]} على أن ظلمهم الذي أوجب لهم ذلك هو الكفر {[50878]}وإن كان في أدنى رتبة ، تبشيعاً له وتنبيهاً على أنه يطمس الفكر مطلقاً{[50879]} .
ولما كان من المعلوم أنه صلى الله عليه وسلم في غاية البعد عن الهزء ، قال منبهاً على أنهم أعرقوا في الكفر حتى بلغوا الذروة : { إن } {[50880]}أي ما{[50881]} { يتخذونك } أي حال الرؤية ، وسيعلم من يبقى{[50882]} منهم عما قليل أنك جد كلك{[50883]} { إلا هزواً } أي جعلوك {[50884]}بحمل أنفسهم على ضد ما يعتقد{[50885]} عين{[50886]} ما ليس فيك شيء منه ؛ ثم بين استهزاءهم به بأنهم يقولون إنكاراً واستصغاراً : { أهذ الذي يذكر } أي{[50887]} بالسوء { ءالهتكم } قال أبو حيان{[50888]} : والذكر{[50889]} يكون بالخير والشر ، فإذا لم يذكر متعلقه فالقرينة تدل عليه{[50890]} - انتهى{[50891]} . فإذا{[50892]} دلت القرينة على أحدهما أطلق عليه { وهم } أي والحال أنهم {[50893]}على حال كانوا بها أصلاً في الهزء ، وهي أنهم{[50894]} { بذكر الرحمن } الذي لا نعمة عليهم ولا على غيرهم إلا منه ، {[50895]}وكرر الضمير تعظيماً بما أتوا به من القباحة فقال{[50896]} : { هم }{[50897]} أي بظواهرهم وبواطنهم{[50898]} { كافرون } أي ساترون لمعرفتهم به ، فلا أعجب ممن {[50899]}هو محل للهزء لكونه{[50900]} أنكر ذكر{[50901]} من لا نعمة منه ولا نقمة أصلاً بالسوء ، وهو يذكر من كل نعمة منه بالسوء {[50902]}ويهزأ به{[50903]} .
قوله تعالى : { وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي يذكر آلهتكم وهم بذكر الرحمان هم كافرون ( 36 ) خلق الإنسان من عجل سأوريكم آياتي فلا تستعجلون ( 37 ) } نزلت في أبي جهل ؛ إذ مر بالنبي ( ص ) فضحك مستهزئا وقال : هذا نبي بني عبد مناف . وهذا ديدن المجرمين من كبراء المشركين والمضلين الذين كانوا يلمزون النبي{[3034]} ( ص ) ويسخرون منه سفها وجهلا . وذلك في مقابلة التنديد بشركهم وسفاهتهم ؛ إذ يعبدون أصنامهم الصماء وآلهتهم الموهومة المصطنعة . فقال الله فيهم : ( وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا ) إن ، أداة نفي . وهزوا مفعول ثان للفعل ( يتخذونك ) . أي ما يتخذك هؤلاء المشركون الضالون ( إلا هزوا ) أي يستهزءون بك وينتقصون من شانك . قوله : ( أهذا الذي يذكر آلهتكم ) الاستفهام للإنكار . والذكر يكون بالخير وبالشر . والقرينة تدل على أنه بالشر ؛ لأن الذاكر غير صديق للمشركين . يعني : أهذا الذي يسب آلهتكم ويسفّه أحلامكم ( وهم بذكر الرحمان هم كافرون ) الجملة في موضع للحال ؛ أي أن حالهم هي أصل السخرية والاستهزاء وهو كفرهم بالله ورسوله وكتابه . والمعنى : أنهم ينكرون عليك يا محمد ذكر آلهتهم الفاسدة بالتنديد ، وحالهم أنهم يكفرون بالرحمان وما أنزله على رسوله ؛ فهم أحق أن يستهزأ بهم ؛ لأنهم مبطلون . ورسول الله محق .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.