أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق والأسباط كانوا يهوداً أو نصارى مثلكم ، مع أن الله ما أنزل التوراة والإنجيل اللذين قامت عليهما اليهودية والنصرانية إلا من بعد هؤلاء ! لقد أخبرنا الله بذلك ، فهل أنتم أعلم أم الله ؟ بل إنه أخبركم بذلك في أسفاركم ، فلا تكتموا الحق . و من أظلمُ ممن كتم حقيقة يعلمها من كتابه ! إن الله لا يترك أمركم سدى فهو يعلم حقائق الأمور ، وهو محيط بما تأتون وما تذرون .
قرأ بن عامر ، وحمزة والكسائي وحفص «أم تقولون » بالتاء . والباقون : «أم يقولون » بالياء .
قوله تعالى : { أم تقولون } بمعنى قالوا{[1261]} . وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص " تقولون " بالتاء وهي قراءة حسنة ، لأن الكلام متسق ، كأن المعنى : أتحاجوننا في الله أم تقولون إن الأنبياء كانوا على دينكم ، فهي أم المتصلة ، وهي على قراءة من قرأ بالياء منقطعة ، فيكون كلامين وتكون " أم " بمعنى بل . " هودا " خبر كان ، وخبر " إن " في الجملة . ويجوز في غير القرآن رفع " هودا " على خبر " إن " وتكون كان ملغاة ، ذكره النحاس .
قوله تعالى : { قل أأنتم أعلم أم الله } تقرير وتوبيخ في ادعائهم بأنهم كانوا هودا أو نصارى . فرد الله عليهم بأنه أعلم بهم منكم ، أي لم يكونوا هودا ولا نصارى .
قوله تعالى : { ومن أظلم } لفظه الاستفهام ، والمعنى : لا أحد أظلم . { ممن كتم شهادة } يريد علمهم بأن الأنبياء كانوا على الإسلام . وقيل : ما كتموه من صفة محمد صلى الله عليه وسلم ، قاله قتادة ، والأول أشبه بسياق الآية . { وما الله بغافل عما تعملون } وعيد وإعلام بأنه لم يترك أمرهم سدى وأنه يجازيهم على أعمالهم . والغافل : الذي لا يفطن للأمور إهمالا منه ، مأخوذ من الأرض الغفل وهي التي لا علم بها ولا أثر عمارة . وناقة غفل : لا سمة بها . ورجل غفل : لم يجرب الأمور . وقال الكسائي : أرض غفل لم تمطر . غفلت عن الشيء غفلة وغفولا ، وأغفلت الشيء : تركته على ذكر منك .
قوله : { أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو نصارى } . ( أم ) معناها بل . أي بل إنكم تقولون زاعمين أن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب . . . كانوا من اليهود أو النصارى . فقد زعمت يهود أن أولئك الأنبياء كانوا يهودا فهم بذلك أولى بهم ، وزعمت كذلك النصارى أن أولئك كانوا نصارى فهم إذن أحق بهم ، وفي الحقيقة أن كلا القولين خاطئ ومكذوب وهما قولان لا يستندان إلا إلى الزيف من التصور الفاسد والتعصب الأصم الذميم . ومعلوم بغير شك أو مراء أن إبراهيم كان مستمسكا بعقيدة التوحيد ، وأنه كان على الحنيفية السمحة المستقيمة التي تنافي الشرك أعظم منافاة ، ومعاذ الله أن ينتسب إبراهيم إلى ملة أي من اليهود والنصارى ، تلك الملة التي عمادها الإشراك بالله ، والمبنية على الهوى والتعصب السفيه ، التعصب الفاجر الأصم الذي ترفضه العقائد والأديان الصحيحة ، ويرفضه المنطق والتفكير السليم . فمعاذ الله أن ينتمي إبراهيم لملة أحد من الفريقين لقيامها على الإشراك بالله ، ولكنه عليه السلام كان على دين الفطرة وملة التوحيد وكلمة الإخلاص ، كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين ، وأساس ذلك كله قول الله تباركت أسماؤه في فض هذه القضية : { ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين } ؛ ولذلك فإن الله يأمر نبيه الكريم بالرد عليهم ردا فيه توبيخ لهم وتقريع
{ قل أأنتم أعلم أم الله } ولا شك أن الله أعلم بحقيقة الأمر ، فهو سبحانه أعلم أن إبراهيم ما كان من إحدى الطائفتين ، وليس على ملة إحداهما ، ولكنه كان حنيفا مسلما .
قوله : { ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله } سؤال تهديد لأهل الكتاب ووعيد . فإنه ليس أظلم من الذي يخفي في نفسه شهادة فيها الحقيقة أو الخبر الصحيح وهو أن النبيين كانوا على ملة الإسلام بما يعنيه من استسلام لله وامتثال لأمره سبحانه . وقيل المراد بكتم الشهادة هو إخفاء خبر النبي محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ؛ إذ كان مذكورا في التوراة والإنجيل وكان أهل الكتاب يجدونه مكتوبا باسمه عندهم ، لكنهم تغاضوا عن ذلك وعمدوا إلى اسمه عليه السلام فأزالوه ، وفي ذلك نكران للشهادة وكتم لما أودعهم الله إياه من أمانة العلم والخبر وكشفهما للناس ، لا جرم أن هذا الكتم في الشهادة غاية في العتو أو الظلم يسقط فيه هؤلاء الجاحدون الضالون .
قوله : { وما الله بغافل عما تعملون } ( ما ) تعمل عمل ليس . لفظ الجلالة اسمها مرفوع . ( بغافل ) الباء حرف زائد ، غافل خبر ما ، وغافل من الغفلة وهي غيبة الشيء عن بال الإنسان وعدم تذكره له على سبيل الإهمال . وحاشا لله سبحانه أن يلحقه شيء من عيوب البشر مثل الغفلة فإنه جل وعلا منزه عن الضعف والنقص كعيوب النسيان أو الغفلة أو غير ذلك من عيوب لا تبرح بني البشر ، لكن الله غير غافل عما يعمله الناس ، وذلك ينطوي على تخويف وتنذير لأهل الكتاب الذين جحدوا ملة الإسلام وكذبوا خاتم المرسلين عليه الصلاة والسلام . وما أولئك بمفلتين من قبضة الله وعذابه الذي سيحيق بهم لزيغهم وتكذيبهم وفساد قلوبهم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.