تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{فَإِنۡ ءَامَنُواْ بِمِثۡلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِۦ فَقَدِ ٱهۡتَدَواْۖ وَّإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا هُمۡ فِي شِقَاقٖۖ فَسَيَكۡفِيكَهُمُ ٱللَّهُۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ} (137)

تولوا : أعرضوا .

في شقاق : في نزاع .

فإن آمنوا بكل هذا ، وتركوا ما هم عليه من تحريف كتبهم وادعائهم حلول الله في بعض البشر ، فقد اهتدوا إلى الحق . أما إن أعرضوا عما تدعوهم إليه ، وفرقوا بين رسل الله فاتركهم . فإنهم في شقاق وعداوة ، والله سوف يكفيك أمرهم ويريحك من لجاجهم ونزاعهم .

إن ما ذكر آنفاً هو الإيمان الحقيقي ، وهو دين الفطرة التي فطر الله الناس عليها . اختار الله هذه الرسالة وجعَلها آخر رسالاته إلى البشر لتقوم عليها وحدة إنسانية واسعة الآفاق ، كل الناس فيها سواء ، أفضلهم أتقاهم وأنفعهم .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{فَإِنۡ ءَامَنُواْ بِمِثۡلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِۦ فَقَدِ ٱهۡتَدَواْۖ وَّإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا هُمۡ فِي شِقَاقٖۖ فَسَيَكۡفِيكَهُمُ ٱللَّهُۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ} (137)

قوله تعالى : { فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا } الخطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم وأمته . المعنى : فإن آمنوا مثل إيمانكم ، وصدقوا مثل تصديقكم فقد اهتدوا ، فالمماثلة وقعت بين الإيمانين ، وقيل{[1248]} : إن الباء زائدة مؤكدة . وكان ابن عباس يقرأ فيما حكى الطبري :

{ فإن آمنوا بالذي آمنتم به فقد اهتدوا } وهذا هو معنى القراءة وإن خالف المصحف ، " فمثل " زائدة كما هي في قوله : { ليس كمثله شيء{[1249]} } [ الشورى : 11 ] أي ليس كهو شيء . وقال الشاعر{[1250]} :فَصُيِّرُوا مثل كعصف مأكول

وروى بقية حدثنا شعبة عن أبي حمزة عن ابن عباس قال : لا تقولوا فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فإن الله ليس له مثل ، ولكن قولوا : بالذي آمنتم به . تابعه علي بن نصر الجهضمي عن شعبة ، ذكره البيهقي . والمعنى : أي فإن آمنوا بنبيكم وبعامة الأنبياء ولم يفرقوا بينهم كما لم تفرقوا فقد اهتدوا ، وإن أبوا إلا التفريق فهم الناكبون عن الدين{[1251]} إلى الشقاق { فسيكفيكهم الله } . وحكى عن جماعة من أهل النظر قالوا : ويحتمل أن تكون الكاف في قوله : { ليس كمثله شيء } زائدة . قال : والذي روي عن ابن عباس من نهيه عن القراءة العامة شيء ذهب إليه للمبالغة في نفي التشبيه عن الله عز وجل . وقال ابن عطية : هذا من ابن عباس على جهة التفسير ، أي هكذا فليتأول . وقد قيل : إن الباء بمعنى على ، والمعنى : فإن آمنوا على مثل إيمانكم . وقيل : " مثل " على بابها أي بمثل المنزل ، دليله قوله : { وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب{[1252]} } [ الشورى : 15 ] ، وقوله : { وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم{[1253]} } . [ العنكبوت : 46 ] .

قوله تعالى : { وإن تولوا } أي عن الإيمان { فإنما هم في شقاق } قال زيد بن أسلم : الشقاق المنازعة . وقيل : الشقاق المجادلة والمخالفة والتعادي . وأصله من الشق وهو الجانب ، فكأن كل واحد من الفريقين في شق غير شق صاحبه .

قال الشاعر : إلى كم تقتل العلماء قسرا *** وتفجر بالشقاق وبالنفاق{[1254]}

وقال آخر : وإلا فاعلموا أنا وأنتم *** بُغَاةٌ ما بقينا في شقاق

وقيل : إن الشقاق مأخوذ من فعل ما يشق ويصعب ، فكأن كل واحد من الفريقين يحرص على ما يشق على صاحبه .

قوله تعالى : { فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم } أي فسيكفي الله رسوله عدوه . فكان هذا وعدا من الله تعالى لنبيه عليه السلام أنه سيكفيه من عانده ومن خالفه من المتولين بمن يهديه من المؤمنين ، فأنجز له الوعد ، وكان ذلك في قتل بني قينقاع وبني قريظة وإجلاء بني النضير . والكاف والهاء والميم في موضع نصب مفعولان . ويجوز في غير القرآن : فسيكفيك إياهم{[1255]} . وهذا الحرف { فسيكفيكهم الله } هو الذي وقع عليه دم عثمان حين قتل بإخبار النبي صلى الله عليه وسلم إياه بذلك .

و{ السميع } لقول كل قائل { العليم } بما ينفذه في عباده ويجريه عليهم . وحكي أن أبا دلامة دخل على المنصور وعليه قلنسوة طويلة ، ودراعة{[1256]} مكتوب بين كتفيها { فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم } ، وسيف معلق في وسطه ، وكان المنصور قد أمر الجند بهذا الزي ، فقال له : كيف حالك يا أبا دلامة ؟ قال : بشر يا أمير المؤمنين قال : وكيف ذاك ؟ قال : ما ظنك برجل وجهه في وسطه ، وسيفه في استه ، وقد نبذ كتاب الله وراء ظهره فضحك المنصور منه ، وأمر بتغيير ذلك الزي من وقته .


[1248]:هذه الجملة من تمام القول الأول وليست قولا آخر كما يتبادر من السياق.
[1249]:راجع ج 16 ص 8
[1250]:هو حميد الأرقط، وصف قوما استؤصلوا فشبههم بالعصف الذي أكل حبه. والعصف التبن. (عن شرح الشواهد).
[1251]:في ج: عن التبيين". وفي ب، ز: "عن التدين".
[1252]:راجع ج 16 ص 13
[1253]:راجع ج 13 ص 351.
[1254]:في: ا: "... يقتل... "بالباء.
[1255]:زيادة من إعراب القرآن للنحاس.
[1256]:الدراعة والمدرع: جبة مشقوقة المقدم.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{فَإِنۡ ءَامَنُواْ بِمِثۡلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِۦ فَقَدِ ٱهۡتَدَواْۖ وَّإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا هُمۡ فِي شِقَاقٖۖ فَسَيَكۡفِيكَهُمُ ٱللَّهُۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ} (137)

وقوله : { فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق } على المسلمين أتباع هذه الملة أن يدعوا أهل الكتاب إلى الحق ( فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به ) أي إن صدقوا وأيقنت أنفسهم بما آمنتم به فقد اعصتموا بدين الله الحق وأصابوا تمام الصواب . وقيل : إن مثل زائدة ليكون المعنى : فإن آمنوا بما آمنتم به فقد اهتدوا . وقيل : الباء زائدة ليكون المعنى : فإن آمنوا مثل ما آمنتم به فقد اهتدوا{[142]} وقيل غير ذلك . ولعل القول الأول أصوب ؛ لانسجامه مع السياق والمعنى . وهو أنهم إن آمنوا بما آمنتم به أنتم فقد أصابوا واستقاموا . ومعلوم أن المسلمين آمنوا بالنبيين جميعا وما أنزل عليهم من كتب يبلغونها للناس .

أما إن تولوا عما آمن به المسلمون وصدقوه { فإنما هو في شقاق } والشقاق والمشاقة بمعنى الخلاف والعداوة ، نقول شاقة مشاقة وشقاقا أي خالفه ، وحقيقة ذلك أن يأتي كل منهما ما يشق على صاحبه فيكون كل منهما في شق غير شق صاحبه{[143]} .

قوله : { فسيكفيكهم الله } وهذه جملة فعلية . فعلها المضارع يكفي . وقد تعدى إلى مفعولين ، أولهما الكاف في محل نصب مفعول به أول ، وثانيهما الهاء في محل نصب مفعول به ثان والميم للجمع ، ولفظ الجلالة فاعل . وذلك وعد من الله سبحانه لنبيه ( صلى الله عليه وسلم ) أنه سوف يكفيه أعداءه من الأشرار والمخالفين والمعاندين ، هؤلاء الحاقدون اللّد الذين حاربوا دين الله وشاقوا الله ورسوله . فسوف يكفي الله نبيه بأس هؤلاء ومكرهم ، ويرد عنه ما يبيتونه له من سوء وعدوان . وقد أنجز الله لنبيه الكريم ما وعده من هزيمة للعدو وتدمير لخططه ومؤامراته وتبديد لجهوده وقُواه حتى مني أخيرا بالهزيمة تلو الهزيمة وبالانتكاس والتقهقر وذلك هو مصير الذين يشاقون الله ورسوله ، ويحادون دين الله . لا جرم أنهم صائرون إلى ذل الهزيمة والخزي والعار .

قوله : { وهو السميع العليم } الضمير المنفصل في محل رفع مبتدأ ، و ( السميع ) خبره مرفوع ، و ( العليم ) نعت . فالله سبحانه يسمع ما تفوه به ألسنة البشر من أقوال ، سواء في ذلك الأقوال التي تصاغ في اختلاف الشر وابتداع الأذى والمنكر يصيبان المؤمنين . أو الأقوال النافعة السديدة التي تنطق بها أفواه المؤمنين من الناس . فهو سبحانه سميع لذلك كله على نحو وكيفية لا يعلمها إلا هو . وهو كذلك ( العليم ) الذي يعلم أسرار الحياة والكائنات وما يختفي في أطواء الوجود من حقائق وأسرار ، ومن معلومات وأخبار لا يعلم منها الناس إلا ما كان هينا يسيرا غاية في البساطة .


[142]:- البيان للأنباري جـ 1 ص 125.
[143]:- المصباح المنير جـ 1 ص 342 ومختار الصحاح ص 343.