تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{قَدۡ سَأَلَهَا قَوۡمٞ مِّن قَبۡلِكُمۡ ثُمَّ أَصۡبَحُواْ بِهَا كَٰفِرِينَ} (102)

ولقد سأل عن أمثال هذه الأمور الشاقة أقوام سبقوكم ، وأجابهم الله على ألسنة أنبيائهم ، وحين زادت التكاليف ثقُل عليهم تنفيذها ، فأعرضوا عنها وأنكروها . وبذلك كانوا هم الخاسرين .

والله سبحانه وتعالى يريد بنا اليسر لا العسر ، وقد أنزل هذا القرآن ليربي الرسول على هَديه ، وينشئ مجتمعا متكاملا ، فمن الأدب مع الله والرسول أن يترك الناس لحكمة الله تعالى تفصيل تلك الشريعة وإجمالها .

وفي الحديث الصحيح عن أبي ثعلبة الخشني قال ، قال رسول الله عليه السلام : «إن الله فرض فروضا فلا تضيّعوها ، وحدَّ حدودا فلا تعتدوها ، وحرّم أشياء فلا تنتهكوها ، وسكت عن أشياءَ رحمةً بكم من غير نسيان فلا تبحثوا عنها » رواه الدارقطني وغيره .

وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ذَرُوني ما تركتُكم ، فإذا أمرتُكم بشيء فأتُوا منه ما استطعتُم ، وإذا نهيتكم عن شيء فدَعُوه ، فإنما أُهلِكَ مَن كان قبلَكم بكثرة سؤالهم واختلافِهم على أنبيائهم » .

وذكر عن الزهري قال : «بلغنا أن زيد بن ثابت الأنصاري- وهو من علماء الصحابة الكرام- كان يقول إذا سئل عن الأمر : أكان هذا ؟ فإن قالوا : نعم قد كان ، حدّث فيه بالذي يعلم ، وإن قالوا : لم يكن ، قال : ذروه حتى يكون » .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{قَدۡ سَأَلَهَا قَوۡمٞ مِّن قَبۡلِكُمۡ ثُمَّ أَصۡبَحُواْ بِهَا كَٰفِرِينَ} (102)

السابعة : قوله تعالى : " قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين " أخبر تعالى أن قوما من قبلنا قد سألوا آيات مثلها ، فلما أعطوها وفرضت{[6041]} عليهم كفروا بها ، وقالوا : ليست من عند الله ؛ وذلك كسؤاله قوم صالح الناقة ، وأصحاب عيسى المائدة ، وهذا تحذير مما وقع فيه من سبق من الأمم . والله أعلم .

الثامنة : إن قال قائل : ما ذكرتم من كراهية السؤال والنهى عنه ، يعارضه قوله تعالى : " فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون{[6042]} " [ النحل : 43 ] فالجواب : أن هذا الذي أمر الله به عباده هو ما تقرر وثبت وجوبه مما يجب عليهم العمل به ، والذي جاء فيه النهي هو ما لم يتعبدالله عباده به ؛ ولم يذكره في كتابه . والله أعلم .

التاسعة : روى مسلم عن عامر بن سعد عن أبيه قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ إن أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم على المسلمين فحرم عليهم من أجله مسألته ] . قال القشيري أبو نصر : ولو لم يسأل العجلاني عن الزنى لما ثبت اللعان . قال أبو الفرج الجوزي : هذا محمول على من سأل عن الشيء عنتا وعبثا فعوقب بسوء قصده بتحريم ما سأل عنه ، والتحريم يعم .

العاشرة : قال علماؤنا : لا تعلق للقدرية بهذا الحديث في أن الله تعالى يفعل شيئا من أجل شيء وبسببه ، تعالى الله عن ذلك ، فإن الله على كله شيء قدير ، وهو بكل شيء عليم ، بل السبب والداعي فعله من أفعاله ، لكن سبق القضاء والقدر أن يحرم من الشيء المسؤول عنه إذا وقع السؤال فيه ؛ لا أن السؤال موجب للتحريم ، وعلة له ، ومثله كثير " لا يسأل عما يفعل وهم يسألون{[6043]} " [ الأنبياء : 23 ] .


[6041]:في ك: وقد فرضت.
[6042]:راجع ج 10 ص 108 و ج 11 ص 272.
[6043]:راجع ج 11 ص 278.