{ كتب الله لأغلبن ؟ } أي قضى الله ذلك . وقيل : كتب في اللوح المحفوظ ، عن قتادة . الفراء : كتب بمعنى قال { أنا } توكيد { ورسلي }من بعث منهم بالحرب فإنه غالب{[14798]} بالحرب ، ومن بعث منهم بالحجة فإنه غالب{[14799]} بالحجة . قال مقاتل : قال المؤمنون : لئن فتح الله لنا مكة والطائف وخيبر وما حولهن رجونا أن يظهرنا الله على فارس والروم ، فقال عبدالله بن أبي ابن سلول : أتظنون الروم وفارس مثل القرى التي غلبتم عليها ؟ ! والله إنهم لأكثر عددا ، وأشد بطشا من أن تظنوا فيهم ذلك ، فنزلت :{ لأغلبن أنا ورسلي } . نظيره : { ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين . إنهم لهم المنصورون . وإن جندنا لهم الغالبون{[14800]} }[ الصافات : 171 ] .
ولما أنزلهم بالحضيض الأسفل ، علل ذلك بما يدل على{[63498]} أنه{[63499]} سبحانه لا شريك له بإتمام كلماته بنصر أوليائه على ضعفهم وخذلان أعدائه على قوتهم لأنه سبحانه غيب{[63500]} محض لا دلالة{[63501]} عليه إلا بأفعاله فقال :{ كتب }أي فعل فعل من أبرم أمراً{[63502]} ففرغ منه وكتبه فأوجب وحتم وقضى وبت { الله } أي الملك{[63503]} الذي لا كفوء له{ لأغلبنَّ }{[63504]} أكد لما لهم{[63505]} من ظن الغلب بالكثرة والقوة { أنا ورسلي } أي بقوة الجدال وشدة الجلاد ، فهو صادق بالنسبة إلى من بعث بالحرب ، وإلى من بعث بالحجة ، وعلل هذا القهر بقوله مؤكداً لأن أفعالهم {[63506]}مع أوليائه{[63507]} أفعال من يظن ضعفه ، { إن الله } أي{[63508]} الذي له الأمر كله { قوي } فهو يفيض من{[63509]} باطن قوته من يظهر به ظاهر قدرة أوليائه ، فإن القوي من له استقلال باطن بما يحمله القائم في الأمر ولو ضوعف عليه ما عسى أن يضاعف وحمايته مما يتطرق إلى الإجلال بشدة وبطش منبعث عن ذلك الاستقلال الباطن ، وما ظهر من أثر ذلك فهو قدرة ، فلا اقتدار يظهر من الخلق إلا بالاستناد إلى القوة بالله ، ولا قيام بالحقيقة لباطن إلا بالله الذي بيده ملكوت كل شيء ، فلذلك كان بالحقيقة لا قوي إلا هو .
ولما كان القوي {[63510]}من المخلوقات{[63511]} قد يكون غيره{[63512]} أقوى من غيره{[63513]} ولو في وقت ، نفى{[63514]} ذلك{[63515]} بقوله :{ عزيز * } أي غالب غلبة لا يجد معها المغلوب نوع مدافعة وانفلات{[63516]} ، ثابت له هذا الوصف دائماً .
قوله : { كتب الله لأغلبنّ أنا ورسلي } كتب الله ، أي خط أو قضى في علمه القديم . وذلك إعلان رباني مجلجل يبين الله فيه أن الغلبة والنصر له ولعباده من الرسل والمؤمنين ، فهم المنصورون في هذه الدنيا ويوم يقوم الأشهاد . إنهم منصورون في الحرب عند لقاء العدو ، أو منصورون بقوة الحجة الظاهرة والبرهان الأبلج الساطع .
قوله : { إن الله قوي عزيز } الله ذو قوة بالغة لا تعرف القيود وهو المنتقم من الظالمين الخاسرين الذين يحادون الله ورسله بصريح المشاقة والتمرد والعصيان . وهو سبحانه عزيز ، أي منيع الجناب لا يغلبه غالب .