تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{ٱتَّخَذُوٓاْ أَحۡبَارَهُمۡ وَرُهۡبَٰنَهُمۡ أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُوٓاْ إِلَٰهٗا وَٰحِدٗاۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ سُبۡحَٰنَهُۥ عَمَّا يُشۡرِكُونَ} (31)

الأحبار : واحدهم حبر بفتح الحاء وكسرها ، العلماء .

الرهبان : واحدهم راهب وهو المنقطع للعبادة .

لقد اتخذوا رجالَ دِينهم أرباباً ، يشرّعون لهم ، ويكوِّن كلامهم دينا ، ولو كان يخالف قولَ رسولهم ، فاتّبعوهم في باطِلهم ، وأضافوا إلى الشرائع ما سمِعوه من رؤسائهم وأقوال أحبارهم من قبلِ أن يدونّوه في المِشنَة والتلمود ، ثم دونوه ، فكان هو الشرعَ العام وعليه العملُ ، وهو مقدَّم عندهم على التوراة .

وانظروا النصارى باتّخاذهم المسيحَ ربّاً وإلهاً ، لقد غيرّ رؤساؤهم جميع الأحكام التي جاء بها المسيح ، وزادوا حقَّ مغفرةِ الذنوب لمن شاؤا ، والله تعالى يقول :

{ وَمَن يَغْفِرُ الذنوب إِلاَّ الله } [ آل عمران : 135 ] وزادوا القولَ بِعصمة البابا في تفسيرِ الكتب الإلهية ، ووجوبِ طاعته في كل ما يأمر به من الطاعات ، وينهى عنه من المحرمات .

روى الإمام أحمد والترمذي وابن جرير عن عَدِيّ بن حاتم أنه فرّ إلى الشام ( وكان قد تنصَّر في الجاهلية ) فذهبت أخته بعد أن أسلمتْ ورغَبته في الإسلام والقدوم على رسول الله ، فقدم المدينة ، وكان رئيسا في قومه ، فدخل على رسول الله وهو يقرأ «اتّخَذوا أحبارَهم ورهبانَهم أرباباً من دون الله » ، قال عدي : فقلت : إنهم لم يعبُدوهم . فقال : «بلَى إنهم حَرّموا عليهم الحلالَ وأحَلّوا الحرام فاتّبعوهم ، فذلك عبادتُهم إياهم » .

وقال رسول الله : يا عديّ ما تقول ؟ أيضرُّك أن يُقال اللهُ أكبر ؟ فهل تعلم شيئا أكبرُ من الله ؟ وما يضرك أن يقال لا إله إلا الله ، فهل تعلم إلهاً غيرالله ؟ ثم دعاه إلى الإسلام ، فأسلم وشهد شهادة الحق ، قال : فلقد رأيتُ وجهه استبشر » .

{ وما أمروا إِلاَّ ليعبدوا إلها وَاحِداً لاَّ إله إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } .

وقد أمَرَهم الله في كُتبه على لسان رُسله أن لا يعبدوا إلا إلهاً واحدا ، لأنه لم يستحق العبادة في حكم الشرع والعقل إلا الإله الواحد . تنزه الله عن الإشراك في العبادة والخَلْق والصفات .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{ٱتَّخَذُوٓاْ أَحۡبَارَهُمۡ وَرُهۡبَٰنَهُمۡ أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُوٓاْ إِلَٰهٗا وَٰحِدٗاۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ سُبۡحَٰنَهُۥ عَمَّا يُشۡرِكُونَ} (31)

وهذا -وإن كان يستغرب على أمة كبيرة كثيرة ، أن تتفق على قول- يدل على بطلانه أدنى تفكر وتسليط للعقل عليه ، فإن لذلك سببا وهو أنهم : { اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ } وهم علماؤهم { وَرُهْبَانَهُمْ } أي : العُبَّاد المتجردين للعبادة .

{ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ } يُحِلُّون لهم ما حرم اللّه فيحلونه ، ويحرمون لهم ما أحل اللّه فيحرمونه ، ويشرعون لهم من الشرائع والأقوال المنافية لدين الرسل فيتبعونهم عليها .

وكانوا أيضا يغلون في مشايخهم وعبادهم ويعظمونهم ، ويتخذون قبورهم أوثانا تعبد من دون اللّه ، وتقصد بالذبائح ، والدعاء والاستغاثة .

{ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ } اتخذوه إلها من دون اللّه ، والحال أنهم خالفوا في ذلك أمر اللّه لهم على ألسنة رسله فما { أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ } فيخلصون له العبادة والطاعة ، ويخصونه بالمحبة والدعاء ، فنبذوا أمر اللّه وأشركوا به ما لم ينزل به سلطانا .

{ سُبْحَانَهُ } وتعالى { عَمَّا يُشْرِكُونَ } أي : تنزه وتقدس ، وتعالت عظمته عن شركهم وافترائهم ، فإنهم ينتقصونه في ذلك ، ويصفونه بما لا يليق بجلاله ، واللّه تعالى العالي في أوصافه وأفعاله عن كل ما نسب إليه ، مما ينافي كماله المقدس .