تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{سَآءَ مَثَلًا ٱلۡقَوۡمُ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَأَنفُسَهُمۡ كَانُواْ يَظۡلِمُونَ} (177)

يلهث : يتنفس بشدة مع إخراج اللسان ، والسبب في أن الكلب يلهث دائما ، أن جلده أملس لا توجد فيه مسامات كافية .

هنا نفيٌ بضرب المثَل للمكذّبين بآيات الله المنزلة على رسوله الكريم بعد أن أيّدها بالأدلة العقلية والكونية ، وهو مثَل من آتاه الله آياتِه فكان عالماً بها قادراً على بيانها ، لكنه لا يعمل بها ، بل يأتي عمله مخالفا لعلمه . لذا سلبه الله ما آتاه ، فكان ذلك الإنسان كمثَل الكلب يظل يلهث دون جدوى .

ولو شاء ربك رفعه إلى منازل الأبرار لفعل ، وذلك بتوفيقه للعمل بتلك الآيات ، لكن الرجل أخلد إلى الأرض ، وهكذا هبط من الأفق المشرق فالتصق بالطين المعتم ، ولم يرتفع إلى سماء الهداية . لقد اتبع هواه ، فبات في قلق دائم ، وانشغل بالدنيا وأعراضها ، لذا فإن مثله مثل الكلب في أسوأ أحواله . . . يظل يلهث على غير طائل ، تماماً مثل طالب الدنيا الشرِه ، يظل يلهج وراء متعه وشهواته ، وهي لا تنقضي ولا هو يكتفي منها .

أما من هو الرجل الذي يشير إليه هذا المثل فقد وردت روايات عديدة تجعله بعضها «بلعام بن باعوراء » من بني إسرائيل ، والبعض الآخر «أميّة بن أبي الصلت » الشاعر العربي المشهور ، أو هو «أبو عامر الفاسق » وهناك روايات أخرى لا حاجة لنا بها أصلاً ، فلسنا مكلَّفين أن نعرف من هو .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{سَآءَ مَثَلًا ٱلۡقَوۡمُ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَأَنفُسَهُمۡ كَانُواْ يَظۡلِمُونَ} (177)

وقوله : { سَآءَ مَثَلاً القوم الذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا } استئناف مسوق لبيان كمال قبحهم بعد البيان السابق . و { سَآءَ } بمعنى بئس وفاعلها مضمر . و { مَثَلاً } تمييز مفسر له ، والمخصوص بالذم قوله - تعالى - { القوم الذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا } .

أى : ساء مثلا مثل أولئك القوم الذين كذبوا بآياتنا حيث شبهوا بالكلاب إما في استواء الحالتين في النقصان وأنهم ضالون وعظوا أم لم يوعظوا ، وإما في الخسة ، فإن الكلاب لاهمة لها إلا في تحصيل أكلة أو شهوة ، فمن خرج عن خير الهدى والعلم وأقبل على هواه صار شبيها بالكلب ، وبئس المثل مثله ولهذا ثبت في الصحيحين عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ليس لنا مثل السوء . العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه " .

وقوله { وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ } معطوف على { كَذَّبُواْ } داخل معه في حكم الصلة بمعنى أنهم جمعوا بين أمرين قبيحين : التكذيب وظلمهم أنفسهم أو منقطع عنه بمعنى وما ظلموا إلا أنفسهم وحدها بارتكابهم تلك الموبقات والخطيئات . فإن العقوبة لا تقع إلا عليهم لا على غيرهم .

هذا ، والذى ذهب إليه المحققون من العلماء أن هذه الآيات الكريمة المثل فيها مضروب لكل إنسان أوتى علما ببعض آيات الله ، ولكنه لم يعمل بمقتضى علمه ، بل كفر بهم وبنذها وراء ظهره وصار هو والجاهل سواء .

وقيل : إن الآيات الكريمة واردة في شخص معين ، واختلفوا في هذا المعين .

فبعضهم قال إنها في أمية بن أبى الصلت ، فإنه كان قد قرأ الكتيب ، وعلم أن الله مرسل رسولا وتمنى أن يكون هو هذا الرسول ، فلما أرسل الله - تعالى - نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم حسده ومات كافراً .

وبعضهم قال : نزلت في أبى عامر الراهب الذي سماه النبى صلى الله عليه وسلم : " الفاسق " كان يترهب في الجاهلية فلما جاء الإسلام خرج إلى الشام ، وأمر المنافقين باتخاذ مسجد الضرار والشقاق .

وبعضهم قال : إنها في منافقى أهل الكتاب ، كانوا يعرفون صفة النبى صلى الله عليه وسلم ومخرجه ، فلما بعثه الله - تعالى - كفروا به .

وبعضهم قال : إنها نزلت لتحكى قصة رجل من علماء اليهود اسمه بلعم ابن باعوراء أوتى علم بعض كتب الله ثم انسلخ منها بأن كفر بها ونبذها بعد أن رشاه اليهود .

والذى نراه أن الرأى الأول الذي عليه المحققون من المفسرين هو الراجح ، وأن هؤلاء الذين ذكروا يندرجون تحته ، لأنه لم يرد نص صحيح يعين اسم الذي وردت الآيات في حقه ، فوجب أن نحملها على أنها واردة في شأن كل من علم الحق فأعرض عنه واتبع هواه .

ثم يعقب القرآن على هذا المثل ببيان أن الهداية والضلال من الله وأن هناك أقواماً من الجن والإنس قد خلقوا لجهنم بسبب إيثارهم طريق الشر على طريق الخير قال - تعالى - : { مَن يَهْدِ الله . . . } .