قوله تعالى : " ولقد استهزئ برسل من قبلك فأمليت للذين كفروا ثم أخذتهم " تقدم معنى الاستهزاء في " البقرة " {[9403]} ومعنى الإملاء في " آل عمران{[9404]} " أي سخر بهم ، وأزري عليهم ، فأمهلت الكافرين مدة ليؤمن من كان في علمي أنه يؤمن منهم ، فلما حق القضاء أخذتهم بالعقوبة . " فكيف كان عقاب " أي فكيف رأيتم ما صنعت بهم ، فكذلك أصنع بمشركي قومك .
ولما تم الجواب عن كفرهم بالموحي وما أوحاه إليه وما اشتد تعلقه به ، عطف{[44238]} على ذلك تأسية بالموحى{[44239]} إليه صلى الله عليه وسلم ، لأن الحاث{[44240]} على تميز{[44241]} الإجابة إلى الآيات المقترحات استهزاء الكفار ، فقال : { ولقد استهزىء } أي من أدنى الخلق وغيرهم { برسل } .
ولما كان الإرسال لم يعم{[44242]} جميع الأزمان فضلاً عن الاستهزاء ، أدخل الجار فقال : { من قبلك } لعدم إتيانهم بالمقترحات ؛ والاستهزاء : طلب الهزوء ، وهو الإظهار خلاف الإضمار للاستصغار { فأمليت } أي فتسبب عن استهزائهم ذلك أني أمليت { للذين كفروا } أي أمهلتهم في خفض وسعة كالبهيمة يملى لها ، أي{[44243]} يمد في المرعى ، ولم أجعل ذلك سبباً لإجابتهم إلى ما اقترحوا ولا معاجلتهم بالعذاب فعل الضيق الفطن{[44244]} { ثم } بعد طول الإملاء{[44245]} { أخذتهم } أي أخذ قهر وانتقام { فكيف } أي فكان أخذي لهم سبباً لأن يسأل من كان يستبطىء رسلنا أو يظن بنا تهاوناً بهم ، فيقال له : كيف { كان عقاب * } فهو استفهام معناه التعجب{[44246]} مما حل بالمكذبين والتقرير ، و{[44247]} في ضمنه وعيد شديد .
قوله تعالى : { وَلَقَدِ اسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ } الله تعالى يسري عن نبيه صلى الله عليه وسلم مما يصيبه من الأسف بسبب جحود قومه وعنادهم وشدة عتوهم فيقول له : إن يستهزئ بك هؤلاء المشركون الضالون فاصبر على أذاهم واستهزائهم ؛ فإن لك أسوة في المرسلين من قبلك ؛ إذ استهزأ بهم المشركون وسخروا منهم فاصبروا على أذاهم وعتوهم ثم أخذتهم . وهو قوله : { فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ } الإملاء بمعنى الإمهال ؛ أي أطلت لهم في الإنظار والإمهال ؛ وممدت لهم في الأجل { ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ } يعني أهلكتهم بالعقاب الوجيع الشديد . لا جرم أن ذلك وعيد شديد من الله لكل المجرمين الناكبين عن صراط الله المستقيم ، الساخرين من منهجه العظيم ، الجاحدون للإسلام ، وذلك بطعنه وإلحاق أيما نقيصة من النقائص به . وفي الصحيحين ان الرسول صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفتله ) ثم قرأ { وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد } .
قوله : { فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ } الاستفهام للتقريع والتهديد ؛ أي فكيف ما أحللته من البلاء والنقم والقوارع بهؤلاء الجاحدين الساخرين من دين الله ؟ !
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.