قوله تعالى : " كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم " أي أرسلناك كما أرسلنا الأنبياء من قبلك ، قاله الحسن . وقيل : شبه الإنعام على من أرسل إليه محمد عليه السلام بالإنعام على من أرسل إليه الأنبياء قبله . " لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك " يعني القرآن . " وهم يكفرون بالرحمن " قال مقاتل وابن جريج : نزلت في صلح الحديبية حين أرادوا أن يكتبوا كتاب الصلح ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي : ( اكتب بسم الله الرحمن الرحيم ) فقال سهيل بن عمرو والمشركون : ما نعرف الرحمن إلا صاحب اليمامة ، يعنون مسيلمة الكذاب ، اكتب باسمك اللهم ، وهكذا كان أهل الجاهلية يكتبون ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي : ( اكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله ) فقال مشركو قريش : لئن كنت رسول الله ثم قاتلناك وصددناك لقد ظلمناك ، ولكن اكتب : هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله ، فقال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : دعنا نقاتلهم ، فقال : ( لا ولكن اكتب ما يريدون ) فنزلت . وقال ابن عباس : نزلت في كفار قريش حين قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : ( اسجدوا للرحمن ){[9395]} [ الفرقان : 60 ] " قالوا وما الرحمن " فنزلت . " قل " لهم يا محمد : الذي أنكرتم . " هو ربي لا إله إلا هو " ولا معبود سواه ، هو واحد بذاته ، وإن اختلفت أسماء صفاته . " عليه توكلت " واعتمدت ووثقت . " وإليه متاب " أي مرجعي غدا ، واليوم أيضا عليه توكلت ووثقت ، رضا بقضائه ، وتسليما لأمره . وقيل : سمع أبو جهل رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو في الحجر ويقول : ( يا الله يا رحمن ) فقال : كان محمد ينهانا عن عبادة الآلهة وهو يدعو إلهين ، فنزلت هذه الآية ، ونزل . " قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن{[9396]} " [ الإسراء : 110 ] .
ولما كان في{[44149]} ذلك فطم عن إنزال المقترحات ، وكان إعراض المقترحين قد طال ، وطال البلاء بهم والصبر على أذاهم ، كان موضع أن يقال من كافر أو مسلم عيل صبره : أولست مرسلاً يستجاب لك كما كان يستجاب للرسل{[44150]} ؟ فقيل : { كذلك } أي مثل إرسال{[44151]} الرسل الذي قدمنا الإشارة إليه في آخر سورة يوسف عليه الصلاة والسلام في قولنا{ وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي{[44152]} إليهم }[ الأنبياء :7 ] الآية ، وفي هذه السورة في قولنا { ولكل قوم هاد } و{[44153]} مثل هذا الإرسال البديع الأمر{[44154]} البعيد الشأن ، والذي دربناك{[44155]} عليه{[44156]} غير مرة من أن{[44157]} المرجع إلى الله والكل بيده ، فلا قدرة لغيره على هدى ولا ضلال ، لا{[44158]} بإنزال{[44159]} الآية ولا{[44160]} غيره { أرسلناك } أي بما لنا من العظمة { في أمة } وهي جماعة كثيرة من الحيوان ترجع{[44161]} إلى معنى خاص لها دون غيرها { قد خلت } .
ولما كانت الرسل لم تعم{[44162]} بالفعل الزمان كله ، قال : { من قبلها أمم } طال أذاهم لأنبيائهم ومن آمن بهم واستهزاءهم{[44163]} في عدم الإجابة إلى المقترحات وقول كل{[44164]} أمة لنبيها عناداً بعد ما جاءهم من الآيات { لولا أنزل عليه آية } حتى كأنهم تواصوا بهذا القول حتى فعل الرسل وأتباعهم في{[44165]} إقبالهم على الدعاء وإعراضهم عمن يستهزىء{[44166]} بهم - فعل الآئس{[44167]} من{[44168]} الإنزال { لتتلوا } أي أرسلناك فيهم لتتلو { عليهم } أي تقرأ ؛ والتلاوة : جعل الثاني يلي الأول بلا فصل { الذي أوحينا إليك } من ذكر الله الذي هو أعظم الآيات { وهم } أي والحال أنهم { يكفرون } لا تمل تلاوته{[44169]} عليهم في تلك الحال فإن لنا في هذا حكماً وإن خفيت ، وما أرسلناك ومن قبلك من الرسل إلا لتلاوة ما يوحى ، لا لطلب الإجابة إلى ما يقترح الأمم من الآيات ظناً أنها تكون سبباً لإيمان أحد ، نحن أعلم بهم ، وهذا كله تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقوله : { بالرحمن } إشارة إلى كثرة حلمه وطول أناته{[44170]} ، وتصوير لتقبيح حالهم في مقابلتهم الإحسان بالإساءة والنعمة بالكفر بأوضح صورة وهم يدعون أنهم أشكر الناس للإحسان وأبعدهم من الكفران . ولما تضمن كفرهم بالرحمن كفرهم بالقرآن ومن أنزل عليه ، وكان الكفر بالمنعم في غاية القباحة ، كان{[44171]} كأنه قيل : فماذا أفعل حينئذ أنا{[44172]} ومن اتبعني ؟ لا نتمنى{[44173]} إجابتهم إلى مقترحاتهم إلا رجاء إيمانهم ، وكان جوابهم عن الكفر بالموحى{[44174]} أهم ، بدأ به{[44175]} فقال : { قل } عند ذلك إيماناً به { هو } أي الرحمن الذي كفرتم به { ربي } المربي لي{[44176]} بالإيجاد وإدرار النعم ، المحسن إليّ لا غيره ، لا أكفر إحسانه كما كفرتموه أنتم ، بل أقول : إنه { لا إله إلا هو } أنا به واثق{[44177]} في التربية والنصرة وغيرها .
ولما كان تفرده{[44178]} بالإلهية علة لقصر الهمم عليه ، قال : { عليه } أي وحده{[44179]} لا شريك له{[44180]} { توكلت } والتوكل : التوثق في تدبير النفس برده إلى الله على الرضى بما يفعل { وإليه } أي لا إلى غيره { متاب * } أي مرجعي ، معنى بالتوبة وحساً بالمعاد ، وهذا تعريض بهم في أن سبب كفرهم إنكار يوم الدين .
قوله تعالى : { كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا أُمَمٌ لِّتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِيَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ } الكاف في اسم الإشارة صفة لمصدر محذوف . والتقدير : مثل ذلك الإرسال أرسلناك . والمعنى : أنه مثل ذلك الإرسال إلى الأمم السابقة أرسلناك يا محمد إلى هذه الأمة { لِّتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِيَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } أي لتقرأ الكتاب الذي نزلناه عليك . وبذلك فإن علة الإرسال هي إبلاغهم دين الله ودعوتهم لتوحيده سبحانه والإقرار له بالألوهية { وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ } الجملة حالية ؛ أي أرسلناك إلى هؤلاء وحالهم أنهم يكفرون بالرحمن ؛ فقد روي أن المشركين لما رأوا كتاب صلح الحديبية وقد كتب فيه { بسم الله الرحمات الرحيم } أنفوا وقالوا : ما ندري ما الرحمن الرحيم . فقد كانوا يكفرون باسم الرحمن ولا يقرون به ولا يعترفون بوصف الله بالرحمن الرحيم .
قوله : { قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ } أي هذا الذي تجحدونه وتكذبون أنه رحمن ، فإني مؤمن به ، ومقر له كامل الإقرار بالألوهية ؛ فإنه ربي وليس من إله غيره { عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ } فوضت إليه أمري ، واعتمدت عليه كامل الاعتماد في شأني كله . { وَإِلَيْهِ مَتَابِ } أي إليه المرجع والإنابة .