وقوله : " إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات " أي لو ركنت لأذقناك مثلي عذاب الحياة في الدنيا ومثلي عذاب الممات في الآخرة ، قاله ابن عباس ومجاهد وغيرهما . وهذا غاية الوعيد . وكلما كانت الدرجة أعلى كان العذاب عند المخالفة أعظم . قال الله تعالى : " يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين{[10331]} " [ الأحزاب : 30 ] وضعف الشيء مثله مرتين ، وقد يكون الضعف النصيب ، كقوله عز وجل : " لكل ضعف " [ الأعراف : 38 ] أي نصيب . وقد تقدم في الأعراف{[10332]} .
{ إذاً } أي لو قاربت الركون الموصوف إليهم { لأذقناك } أي بعظمتنا { ضعف } عذاب { الحياة وضعف } عذاب { الممات } أي ذلك العذاب مضاعفاً .
وهذه المادة تدور على الوهي ، ويلزمه التقوية بالضعف - بكسر الضاد أي المثل وما زاد ، وكل شيء له مكاثر فهو ضعيف بدونه ، ويلزم الضعف الذي هو المثل المضموم إلى مثله : القوة ، فمن الوهي : الضعف والضعف بالفتح والضم ، وهو خلاف القوة ، وقيل : الضعف بالفتح في العقل والرأي ، وبالضم في الجسد ، والضعيف : الأعمى - حميرية ، وأرض مضعفة للمفعول : أصابها مطر ضعيف ، وضعف الشيء بالكسر : مثله - لأن كل ما له مثل فهو ضعيف ، وضعفاه مثلاه . ويقال : لك ضعفه ، أي مثلاه ، وثلاثة أمثاله ، لأن أصل الضعف زيادة غير محصورة ، وضاعفت الشيء ، أي ضممت إلى الشيء شيئين فصار ثلاثة ، وأضعاف الكتاب : أثناء سطوره - لأنها أمثال للسطور من البياض وزيادة عليها ومن القوة التي تلزم المثل : أضعاف البدن وهي أعضاؤه - لأن غالبها مثنى ، أو هي عظامه - لأنها أقوى ما فيه ، ومن الضعف أيضاً مقلوبة الذي هو ضفع - إذا أحدث وضرط ، وكذا مقلوبة فضع ، والضفع نجو الفيل ، والضفعانة : تمرة السعدانة ذات الشوك مستديرة - كأنها فلكة ، فالمعنى - والله أعلم : أذقناك وهي الحياة ووهي الممات مضاعفاً أضعافاً كثيرة .
ولما كانت القوة بعد هذا في غاية البعد ، عبر بأداة التراخي في قوله تعالى : { ثم لا تجد لك } أي وإن كنت أعظم الخلق وأعلاهم همة { علينا نصيراً * } والآية دالة على أن القبيح يعظم قبحه بمقدار عظيم شأن مرتكبه وارتفاع منزلته ، وعلى أن أدنى مداهنة للغواة مضادة لله وخروج عن ولايته ، فعلى من تلاها أن يتدبرها وأن يستشعر الخشية وعظيم التصلب في الدين .
قوله : ( إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ) الضعف : أن يضم الشيء إلى مثله . وضعف الشيء ؛ مثله مرتين . والتضعيف : أن يزاد على أصل الشيء فيجعل مثلين أو أكثر . وقد يكون الضعف بمعنى النصيب أو المثل{[2722]} . والمعنى : لو ركنت إلى المشركين واتبعت مُرامهم وما سألوه لأذقناك مثلي عذاب الدنيا ومثل عذاب الآخرة وذلك غاية التوعد المخوف من الله لنبيه ( ص ) . والسبب في مضاعفة العذاب هنا هو علو الدرجة . فكلما عظمت درجات الناس تضاعفت مؤاخذتهم وكبرت مسؤولياتهم والنبي ( ص ) عظيم المنزلة والشرف ؛ فكانت مؤاخذته بالذنب أعظم .
قوله : ( ثم لا تجد لك علينا نصيرا ) إذ أذقناك العذاب المضاعف فلن تجد لك من دوننا من يعينك أو ينقذك من عقابنا .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.