قوله تعالى : " وسلام عليه يوم ولد " قال الطبري وغيره : معناه أمان . ابن عطية : والأظهر عندي أنها التحية المتعارفة فهي أشرف وأنبه من الأمان ؛ لأن الأمان متحصل له بنفي العصيان عنه وهي أقل درجاته ، وإنما الشرف في أن سلم الله عليه ، وحياه في المواطن التي الإنسان فيها في غاية الضعف والحاجة وقلة الحيلة والفقر إلى الله تعالى عظيم{[10805]} الحول .
قلت : وهذا قول حسن ، وقد ذكرناه معناه عن سفيان بن عيينة في سورة " سبحان " {[10806]} [ الإسراء : 1 ] عند قتل يحيى . وذكر الطبري عن الحسن أن عيسى ويحيي التقيا - وهما ابنا الخالة - فقال يحيى لعيسى : ادع الله لي فأنت خير مني ، فقال له عيسى : بل أنت ادع الله لي فأنت خير مني ، سلم الله عليك وأنا سلمت على نفسي ، فانتزع بعض العلماء من هذه الآية في التسليم فضل عيسى ، بأن قال : إدلاله التسليم على نفسه ومكانته من الله تعالى التي اقتضت ذلك حين قرر وحكى في محكم التنزيل أعظم في المنزلة من أن يسلم عليه . قال ابن عطية : ولكل وجه .
{ وسلام } أي{[47900]} أيّ سلام{[47901]} { عليه } منا { يوم ولد } من كل سوء يلحق بالولادة وما بعدها في شيء من أمر الدين { ويوم يموت } من كرب الموت وما بعده ، ولعله نكر{[47902]} السلام لأنه قتل فما سلم بدنه بخلاف ما يأتي في عيسى عليه الصلاة والسلام { ويوم يبعث } من كل ما يخاف بعد ذلك { حياً * } حياة هي الحياة للانتفاع بها ، إجابة لدعوة أبيه في أن يكون رضياً ، {[47903]}وخص هذه الأوقات لأن من سلم فيها{[47904]} سلم في غيرها لأنها أصعب منه ؛ أخرج الطبراني{[47905]} عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " كل بني آدم يلقى الله{[47906]} يوم القيامة بذنب وقد{[47907]} يعذبه عليه إن شاء أو يرحمه إلا يحيى بن زكريا عليهما السلام فإنه كان سيداً وحصوراً ونبياً من الصالحين ، وأهوى النبي صلى الله عليه وسلم إلى قذاة من الأرض فأخذها وقال : ذكره مثل هذه القذاة "
قال الهيثمي : وفيه حجاج ابن سليمان الرعيني وثقه ابن حبان وغيره وضعفه أبو زرعة وغيره ، وبقية رجاله ثقات{[47908]} ، وأخرجه أيضاً عن عبد الله بن عمر و ابن عباس رضي الله عنهم ، لكن ليس فيه ذكر الذكر ، ولفظ ابن عباس رضي الله عنهما : كنت في حلقة في{[47909]} المسجد نتذاكر فضائل الأنبياء - فذكره حتى قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما ينبغي أن يكون أحد خيراً من يحيى بن زكريا ، قلنا : يا رسول الله ! وكيف ذاك ؟ قال : ألم تسمعوا الله{[47910]} كيف نعته في القرآن ؟ { يا يحيى خذ الكتاب } - إلى قوله : { حياً{[47911]} } ، مصدقاً بكلمة من الله وسيداً وحصوراً ونبياً من الصالحين لم يعمل سيئة ولم يهم بها " ورواه أيضاً البزار وفيه على بن زيد بن جدعان ضعفه الجمهور - وقد وثق{[47912]} ، وبقية رجاله ثقات . وأشار سبحانه بالتنقل في هذه الأطوار إلى موضع الرد على من ادعى لله ولداً من حيث إن ذلك قاضٍ على الولد نفسه وعلى أبيه بالحاجة ، {[47913]}وذلك مانع لكل من الولد والوالد من الصلاحية لمرتبة الإلهية المنزهة عن الحاجة{[47914]} ، {[47915]}وقد مضى في آل عمران ما تجب مراجعته{[47916]} .
قوله : { وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا } المراد بالسلام هنا ، الأمان ؛ فقد جعل الله الأمان لنبيه يحيى في هذه الأحوال الثلاثة . وقيل : السلام هنا تحية من الله لهذا النبي المعصوم ؛ فقد سلم الله عليه وحياه في ثلاثة مواطن يكون فيها الإنسان في غاية الضعف والحاجة إلى العون .
فقد قيل : أوحش ما يكون المرء في ثلاثة مواطن : يوم ولد فيرى نفسه خارجا مما كان فيه ، ويوم يموت فيرى قوما لم يكن عاينهم . ويوم يبعث فيرى نفسه في محشر عظيم . فأكرم الله فيها يحيى فخصه بالسلام عليه{[2888]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.