الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبۡرَٰهِـۧمَ فِي رَبِّهِۦٓ أَنۡ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلۡمُلۡكَ إِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحۡيِۦ وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا۠ أُحۡيِۦ وَأُمِيتُۖ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأۡتِي بِٱلشَّمۡسِ مِنَ ٱلۡمَشۡرِقِ فَأۡتِ بِهَا مِنَ ٱلۡمَغۡرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِي كَفَرَۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (258)

فيه مسألتان :

الأولى : قوله تعالى : " ألم تر " هذه ألف التوقيف ، وفي الكلام معنى التعجب{[2418]} ، أي اعجبوا له . وقال الفراء : " ألم تر " بمعنى هل رأيت ، أي هل رأيت الذي حاج إبراهيم ، وهل رأيت الذي مر على قرية ، وهو النمروذ{[2419]} بن كوش بن كنعان بن سام بن نوح ملك زمانه وصاحب النار والبعوضة ، هذا قول ابن عباس ومجاهد وقتادة والربيع والسدي وابن إسحاق وزيد بن أسلم وغيرهم . وكان إهلاكه لما قصد المحاربة مع الله تعالى بأن فتح الله تعالى عليه باباً من البعوض فستروا{[2420]} عين الشمس وأكلوا عسكره ولم يتركوا إلا العظام ، ودخلت واحدة منها في دماغه فأكلته حتى صارت مثل الفأرة ، فكان أعز الناس عنده بعد ذلك من يضرب دماغه بمطرقة عتيدة لذلك ، فبقي في البلاء أربعين يوما . قال ابن جريح : هو أول ملك في الأرض . قال ابن عطية : وهذا مردود . وقال قتادة : هو أول من تجبر وهو صاحب الصرح ببابل . وقيل : إنه ملك الدنيا بأجمعها ، وهو أحد الكافرين{[2421]} ، والآخر بختنصر . وقيل : إن الذي حاج إبراهيم نمروذ بن فالخ بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام ، حكى جميعه ابن عطية . وحكى السهيلي أنه النمروذ بن كوش بن كنعان بن حام بن نوح وكان ملكاً على السواد{[2422]} وكان ملكه الضحاك الذي يعرف بالازدهاق واسمه بيوراسب بن أندراست وكان ملك الأقاليم كلها ، وهو الذي قتله أفريدون بن أثفيان ، وفيه يقول حبيب{[2423]} :

وكأنه الضّحّاك من فَتَكَاتِه *** في العالمين وأنت أَفْرِيدُونُ

وكان الضحاك طاغيا جبارا ودام ملكه ألف عام فيما ذكروا . وهو أول من صلب وأول من قطع الأيدي والأرجل ، وللنمروذ ابن لصلبه يسمى [ كوشا ] أو نحو هذا الاسم ، وله ابن يسمى نمروذ الأصغر . وكان ملك نمروذ الأصغر عاما واحدا ، وكان ملك نمروذ الأكبر أربعمائة عام فيما ذكروا . وفي قصص هذه المحاجة روايتان : إحداهما أنهم خرجوا إلى عيد لهم فدخل إبراهيم على أصنامهم فكسرها ؛ فلما رجعوا قال لهم : أتعبدون ما تنحتون ؟ فقالوا : فمن تعبد ؟ قال : أعبد ربي{[2424]} الذي يحيي ويميت . وقال بعضهم : إن نمروذ كان يحتكر الطعام فكانوا إذا احتاجوا إلى الطعام يشترونه منه ، فإذا دخلوا عليه سجدوا له ، فدخل إبراهيم فلم يسجد له ، فقال : مالك لا تسجد لي قال : أنا لا أسجد إلا لربي . فقال له نمروذ : من ربك ؟ قال إبراهيم : ربي الذي يحيي ويميت . وذكر زيد بن أسلم أن النمروذ هذا قعد يأمر الناس بالميرة{[2425]} ، فكلما جاء قوم يقول : من ربكم وإلهكم ؟ فيقولون أنت ، فيقول : مِيرُوهُم . وجاء إبراهيم عليه السلام يَمْتَار فقال له : من ربك وإلهك ؟ قال إبراهيم : ربي الذي يحيي ويميت ، فلما سمعها نمروذ قال : أنا أحيي وأميت ، فعارضه إبراهيم بأمر الشمس فبهت الذي كفر ، وقال لا تُميروه ، فرجع إبراهيم إلى أهله دون شيء فمر على كثيب رمل كالدقيق فقال في نفسه : لو ملأت غرارتي من هذا فإذا دخلت به فرح الصبيان حتى أنظر لهم ، فذهب بذلك فلما بلغ منزله فرح الصبيان وجعلوا يلعبون فوق الغرارتين ونام هو من الإعياء ، فقالت امرأته : لو صنعت له طعاما يجده حاضرا إذا انتبه ، ففتحت إحدى الغرارتين فوجدت أحسن ما يكون من الحوارى{[2426]} فخبزته ، فلما قام وضعته بين يديه فقال : من أين هذا ؟ فقالت : من الدقيق الذي سقت . فعلم إبراهيم أن الله تعالى يسر لهم ذلك . قلت : وذكر أبو بكر بن أبي شيبة عن أبي صالح قال : انطلق إبراهيم النبي عليه السلام يمتار فلم يقدر على الطعام ، فمر بسهلة{[2427]} حمراء فأخذ منها ثم رجع إلى أهله فقالوا : ما هذا ؟ فقال : حنطة حمراء ، ففتحوها فوجدوها حنطة حمراء ، قال : وكان إذا زرع منها شيئا جاء سنبله من أصلها إلى فرعها حباً متراكباً . وقال الربيع وغيره في هذا القصص : إن النمروذ لما قال أنا أحيي وأميت أحضر رجلين فقتل أحدهما وأرسل الآخر فقال : قد أحييت هذا وأمت هذا ، فلما رد عليه بأمر الشمس بهت . وروي في الخبر : أن الله تعالى قال وعزتي وجلالي لا تقوم الساعة حتى آتي بالشمس من المغرب ليعلم أني أنا القادر على ذلك . ثم أمر نمروذ بإبراهيم فألقي في النار ، وهكذا عادة الجبابرة فإنهم إذا عورضوا بشيء وعجزوا عن الحجة اشتغلوا بالعقوبة ، فأنجاه الله من النار ، على ما يأتي{[2428]} . وقال السدي : إنه لما خرج إبراهيم من النار أدخلوه على الملك - ولم يكن قبل ذلك دخل عليه - فكلمه وقال له : من ربك ؟ فقال : ربي الذي يحيي ويميت . قال النمروذ : أنا أحيي وأميت ، وأنا آخذ أربعة نفر فأدخلهم بيتا ولا يطعمون شيئا ولا يسقون حتى إذا جاعوا أخرجتهم فأطعمت اثنين فحييا ، وتركت اثنين فماتا . فعارضه إبراهيم بالشمس فبهت . وذكر الأصوليون في هذه الآية أن إبراهيم عليه السلام لما وصف ربه تعالى بما هو صفة له من الإحياء والإماتة لكنه أمر له حقيقة ومجاز ، قصد إبراهيم عليه السلام إلى الحقيقة ، وفزع نمروذ إلى المجاز وموه على قومه ، فسلم له إبراهيم تسليم الجدل وانتقل معه من المثال ، وجاءه بأمر لا مجاز فيه " فبهت الذي كفر " أي انقطعت حجته ولم يمكنه أن يقول أنا الآتي بها من المشرق ؛ لأن ذوي الألباب يكذبونه .

الثانية : هذه الآية تدل على جواز تسمية الكافر ملكا إذا آتاه الملك والعز والرفعة في الدنيا ، وتدل على إثبات المناظرة والمجادلة وإقامة الحجة . وفي القرآن والسنة من هذا كثير لمن تأمله ، قال الله تعالى : " قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين " {[2429]} [ البقرة : 111 ] . " إن عندكم من سلطان " {[2430]} [ يونس : 68 ] أي من حجة . وقد وصف خصومة إبراهيم عليه السلام قومه ورده عليهم في عبادة الأوثان كما في سورة [ الأنبياء ] وغيرها . وقال في قصة نوح عليه السلام : " قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا " {[2431]} [ هود : 32 ] الآيات إلى قوله : " وأنا بريء مما تجرمون " [ هود : 35 ] . وكذلك مجادلة موسى مع فرعون إلى غير ذلك من الآي . فهو كله تعليم من الله عز وجل السؤال والجواب والمجادلة في الدين ؛ لأنه لا يظهر الفرق بين الحق والباطل إلا بظهور حجة الحق ودحض حجة الباطل . وجادل رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الكتاب وباهلهم{[2432]} بعد الحجة ، على ما يأتي بيانه في " آل عمران " . وتحاج آدم وموسى فغلبه آدم بالحجة . وتجادل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم السقيفة وتدافعوا وتقرروا وتناظروا حتى صدر{[2433]} الحق في أهله ، وتناظروا بعد مبايعة أبي بكر في أهل الردة ، إلى غير ذلك مما يكثر إيراده . وفي قول الله عز وجل : " فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم " [ آل عمران : 66 ] دليل على أن الاحتجاج بالعلم مباح شائع{[2434]} لمن تدبر . قال المزني صاحب الشافعي : ومن حق المناظرة أن يراد بها الله عز وجل وأن يقبل منها ما تبين . وقالوا : لا تصح المناظرة ويظهر الحق بين المتناظرين حتى يكونوا متقاربين أو مستويين في مرتبة واحدة من الدين والعقل والفهم والإنصاف ، وإلا فهو مراء ومكابرة . قراءات - قرأ علي بن أبي طالب " ألم تر " بجزم الراء ، والجمهور بتحريكها ، وحذفت الياء للجزم . " أن آتاه الله الملك " في موضع نصب ، أي لأن آتاه الله ، أو من أجل أن آتاه الله . وقرأ جمهور القراء " أن أحيي " بطرح الألف التي بعد النون من " أنا " في الوصل ، وأثبتها نافع وابن أبي أويس ، إذا لقيتها همزة في كل القرآن إلا في قوله تعالى : " إن أنا إلا نذير " {[2435]} [ الأعراف : 188 ] فإنه يطرحها في هذا الموضع مثل سائر القراء لقلة ذلك ، فإنه لم يقع منه في القرآن إلا ثلاثة مواضع أجراها مجرى ما ليس بعده همزة لقلته فحذف الألف في الوصل . قال النحويون : ضمير المتكلم الاسم فيه الهمزة والنون ، فإذا قلت : أنا أو أنه فالألف والهاء لبيان الحركة في الوقف ، فإذا اتصلت الكلمة بشيء سقطتا ؛ لأن الشيء الذي تتصل به الكلمة يقوم مقام الألف ، فلا يقال : أنا فعلت بإثبات الألف إلا شاذاً في الشعر كما قال الشاعر :

أنا سيف العشيرة فاعرفوني *** حميداً قد تَذَرَّيْتُ السّناما{[2436]}

قال النحاس : على أن نافعاً قد أثبت الألف فقرأ " أنا أحيي وأميت " ولا وجه له . قال مكي : والألف زائدة عند البصريين ، والاسم المضمر عندهم الهمزة والنون وزيدت الألف للتقوية . وقيل : زيدت للوقف لتظهر حركة النون . والاسم عند الكوفيين " أنا " بكماله ، فنافع في إثبات الألف على قولهم على الأصل ، وإنما حذف الألف من حذفها تخفيفاً ؛ ولأن الفتحة تدل عليها . قال الجوهري : وأما قولهم " أنا " فهو اسم مكنى وهو للمتكلم وحده ، وإنما بني على الفتح فرقا بينه وبين " أن " التي هي حرف ناصب للفعل ، والألف الأخيرة إنما هي لبيان الحركة في الوقف ، فإن توسطت الكلام سقطت إلا في لغة رديئة{[2437]} ؛ كما قال :

أنا سيف{[2438]} العشيرة فاعرفوني *** حميداً قد تذريت السناما

وبَهُت الرجل وبَهِت وبُهت إذا انقطع وسكت متحيراً ؛ عن النحاس وغيره . وقال الطبري : وحكي عن بعض العرب في هذا المعنى " بَهَت " بفتح الباء والهاء . قال ابن جني قرأ أبو حيوة : " فبهت الذي كفر " بفتح الباء وضم الهاء ، وهي لغة في " بهت " بكسر الهاء . قال : وقرأ ابن السميقع " فبهت " بفتح الباء والهاء على معنى فبهت إبراهيم الذي كفر ؛ فالذي في موضع نصب . قال : وقد يجوز أن يكون بَهَت بفتحها لغة في بَهُت . قال : وحكى أبو الحسن الأخفش قراءة " فبهت " بكسر الهاء كغرق{[2439]} ودهش . قال : والأكثرون بالضم في الهاء . قال ابن عطية : وقد تأول قوم في قراءة من قرأ " فبهت " بفتحها أنه بمعنى سب وقذف ، وأن نمروذ هو الذي سب حين انقطع ولم تكن له حيلة .


[2418]:- أي التعجب.
[2419]:- نمروذ بضم النون وبالذال المعجمة، شهاب.
[2420]:- كذا في الأصول جميعا، والصحيح ما في الطبري: فبعثها الله عليهم فأكلت لحومهم وشربت دماءهم.
[2421]:- في البحر: "ملك الأرض مؤمنان سليمان وذو القرنين وكافران نمروذ وبختنصر".
[2422]:- أي سواد العراق، وفي هـ: السودان.
[2423]:- ابن أوس أبو تمام.
[2424]:- من هـ وب.
[2425]:- الميرة: جلب الطعام، قاله ابن سيده.
[2426]:- الحوارى (بضم الحاء وتشديد الواو وفتح الراء): الدقيق الأبيض، وهو لباب الدقيق وأجوده وأخلصه.
[2427]:- السهلة (بكسر السين): رمل خشن ليس بالدقاق الناعم. والسهلة (بفتح السين) نقيض الحزنة، وهو ما غلظ من الأرض.
[2428]:- راجع جـ11 ص 303.
[2429]:- راجع جـ2 ص 74.
[2430]:- راجع جـ8 ص 361.
[2431]:- راجع جـ9 ص 27.
[2432]:- المباهلة: الملاعنة. ومعنى المباهلة: أن يجتمع القوم إذا اختلفوا في شيء فيقولوا لعنة الله على الظالم منا. راجع جـ 4 ص 103، و ص 108.
[2433]:- في ب: ظهر
[2434]:- في هـ و ب: سائغ.
[2435]:- راجع جـ7 ص 336.
[2436]:- كذا في جـ و ا وهـ وفي ب وجـ: حميدا، مرة، وجميعا، أخرى وفي التاج: جميعا
[2437]:- في السمين: إثبات الألف وصلا ووقفا لغة تميم.
[2438]:- في ابن عطية: أنا شيخ، وحميد هو ابن مجدل.
[2439]:- في جـ وهـ وب: كحرق. أي انقطعت حارقته وهي عصبة أو عرق في الرجل.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبۡرَٰهِـۧمَ فِي رَبِّهِۦٓ أَنۡ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلۡمُلۡكَ إِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحۡيِۦ وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا۠ أُحۡيِۦ وَأُمِيتُۖ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأۡتِي بِٱلشَّمۡسِ مِنَ ٱلۡمَشۡرِقِ فَأۡتِ بِهَا مِنَ ٱلۡمَغۡرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِي كَفَرَۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (258)

ولما ذكر {[12452]}ما له سبحانه وتعالى{[12453]} من الإحاطة والعظمة وأتبعه أمر الإيمان وتوليه{[12454]} حزبه{[12455]} وأمر الكفران وخذلانه{[12456]} أهله أخذ يدل على ذلك بقصة المحاج للخليل والمار على القرية مذكراً بقصة الذين قال لهم{[12457]} موتوا ثم أحياهم في سياق التعجيب من تلك الجرأة - قال الحرالي : ولما كان ما أظهره الحق في آية عظمته وما اتصل بها في خاصة عباده{[12458]} اختص هذا الخطاب بالنبي صلى الله عليه وسلم لعلو مفهوم مغزاه عمن دونه ، انتهى - فقال تعالى : { ألم تر{[12459]} } أي تعلم بما نخبرك{[12460]} به علماً هو عندك كالمشاهدة لما لك من كمال البصيرة وبما أودعناه فيك من المعاني المنيرة . ولما كان هذا المحاج بعيداً من{[12461]} الصواب كثيف الحجاب أشار إلى بعده بحرف الغاية فقال : { إلى الذي حآج إبراهيم } أي الذي هو أبو العرب وهم أحق الناس{[12462]} بالاقتداء به { في ربه } الضمير يصح أن يعود على كل منهما أي فيما يختص به خالقه{[12463]} المربي له{[12464]} المحسن إليه بعد وضوح هذه الأدلة وقيام هذه البراهين إشارة إلى أنه سبحانه أوضح على لسان كل نبي أمره وبين عظمته وقدره{[12465]} مع أنه ركز{[12466]} ذلك في جميع الفطر وقادها إلى بحور جلاله بأدنى نظر فكأن نمرود{[12467]} المحاج للخليل ممن أخرجته الشياطين من النور إلى الظلمات ، ولما كان ذلك أمراً باهراً معجباً بين أن علته الكبر{[12468]} الذي أشقى إبليس فقال : { أن } أي لأجل أن { آتاه الله } {[12469]}أي الملك الأعلى{[12470]} بفيض{[12471]} فضله { الملك } الفاني في الدنيا الدنيئة ، فجعل موضع ما يجب عليه من شكر من ملكه ذلك محاجته فيه وكبره رغم{[12472]} عليه ، وعرفه إشارة إلى كماله بالنسبة إلى الآدميين{[12473]} بالحكم على جميع الأرض .

قال الحرالي : وفي إشعاره أن الملك {[12474]}فتنة وبلاء{[12475]} على من أوتيه - انتهى . فتكبر بما خوله الله فيه على عباد الله وهم يطيعونه{[12476]} لما مكّن{[12477]} الله له{[12478]} من الأسباب إلى أن رسخت قدمه في الكبر المختص بالملك الأعظم مالك الملك ومبيد الملوك فظن جهلاً أنه أهل له .

ولما أخبر سبحانه وتعالى بمحاجته بين ما هي تقريراً لآية{[12479]} { فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم{[12480]} }[ البقرة : 243 ] دلالة على البعث ليوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة فقال : { إذ } أي حاجه{[12481]} حين{[12482]} { قال إبراهيم ربي } أي الذي أحسن إليّ بخلقي وإدامة الهداية لي{[12483]} { الذي يحيي ويميت{[12484]} } أي وحده ، وهذه العبارة تدل على تقدم كلام في هذا وادعاء أحد لمشاركة في هذه الصفة .

ولما كان كأنه قيل : هذا أمر ظاهر مجمع{[12485]} عليه فما ذا الذي يحاج المحاج فيه ؟ أجيب بقوله : { قال } أي ذلك المحاج بجرأة وعدم تأمل لما ألفه من ذل الناس له وطواعيتهم لجبروته { أنا } أي أيضاً { أحيي وأميت } بأن أمُنَّ على من استحق القتل وأقتل{[12486]} من{[12487]} لا يستحق القتل{[12488]} .

فلما رأى إبراهيم عليه الصلاة والسلام أنه قد اجترأ على عظيم وأن محاجته في نفس الإحياء ربما خفيت{[12489]} أو طالت رأى أن يعجل إبهاته مع بيان حقارته بما هو أجلى من ذلك ، وفيه أنه دون ما ادعاه بمراتب لأن الإحياء إفاضة الروح على صورة بعد إيجادها من العدم بأن { قال إبراهيم } وقال الحرالي : ولما كان من حسن الاحتجاج ترك المراء بمتابعة{[12490]} الحجة الملبسة كما قال تعالى{ فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهراً{[12491]} }[ الكهف : 53 ] نقل{[12492]} المحاج من الحجة الواقعة في الأنفس إلى الحجة الواقعة في الآفاق بأعظم كواكبها الشمس{[12493]}{ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم{[12494]} }[ فصلت : 53 ] ففي ظاهر الاحتجاج انتقال وفي {[12495]}طيه تقرير الأول لأن الروح شمس البدن فكأنه ضرب مثل من حيث إن الإحياء إنما هو أن يؤتى بشمس{[12496]} الروح من حيث غربت فكان في ظاهر واستقبال حجة قاطعة باطنه تتميم للحجة الأولى قال تعالى : { فإن } بالفاء الرابطة بين الكلامين إشعاراً لتتمة الحجة الأولى بالحجة الثانية - انتهى . أي تسبب عن دعواك هذه{[12497]} أن أقول لك : إن { الله } بما له من العظمة والجلال باستجماع صفات الكمال { يأتي بالشمس } أي وهو الذي أوجدها { من المشرق } أي في كل يوم من قبل أن توجد أنت بدهور { فأت بها }{[12498]} أنت { من المغرب } ولو يوماً واحداً .

قال الحرالي : إظهاراً لمرجع العالم بكليته إلى واحد ، وأن قيوم الإنسان في الإحياء والإماتة هو قيوم الآفاق في طلوع الشمس وغروبها ، وفي لحنه إشعار بأن الله سبحانه وتعالى لا بد وأن يأتي بالشمس من المغرب ليكون في ذلك إظهار تصريفه لها حيث شاء حتى يطلعها من حيث غربت كما يطلع الروح من حيث قبضت ليكون طلوع الشمس من مغربها آية مقاربة قيام الساعة وطلوع الأرواح من أبدانها - انتهى . { فبهت } قال الحرالي : من البهت وهو بقاء الشيء على حاله{[12499]} وصورته{[12500]} لا يتغير عنها لأمر يبهره وقعه أي فتسبب عن ذلك أنه{[12501]} بهت { الذي كفر } أي حصل له الكفر بتلك الدعوى التي لزمه بها إنكاره لاختصاصه سبحانه وتعالى بالقدرة على ذلك {[12502]}وادعاؤه لنفسه الشركة{[12503]} ، فبين له الخليل عليه الصلاة والسلام بهذا المثال{[12504]} أنه عاجز عن تحويل صورة صورها الله سبحانه وتعالى ووضعها في{[12505]} جهة إلى{[12506]} غير تلك الجهة فكيف له بأن يوجد صورة من العدم فكيف ثم كيف بإفاضة الروح عليها فكيف بالروح الحساسة فكيف بالروح الناطقة ! وسيأتي لهذا الشأن في سورة{[12507]} الشعراء مزيد بيان ، فيالله{[12508]} ما أعلى مقامات الأنبياء ! وما أصفى بصائرهم ! وما أسمى درجاتهم وأزكى عناصرهم ! عليهم أجمعين مني أعظم الصلاة والسلام وأعلى التحية والإكرام . وقال الحرالي : فعرفه أي في قوله : { كفر } بوصفه من حيث دخل عليه البهت منه{[12509]} - انتهى . أي لأنه ستر{[12510]} ما يعلمه من عجز نفسه وقدرة خالقه ، فكشف سبحانه وتعالى بلسان خليله صلى الله عليه وسلم الستر الذي أرخاه كشفاً واضحاً وهتكه بعظيم البيان هتكاً فاضحاً .

ولما كان التقدير : لأنه ظلم في ادعائه ذلك وفي الوجه الذي ادعى ذلك بسبه من قتل البريء وترك المجترىء ، قال سبحانه وتعالى : { والله } {[12511]}أي الذي{[12512]} لا أمر لأحد معه { لا يهدي القوم } أي الذين{[12513]} أعطاهم قوة المقاومة للأمور { الظالمين * } عامة لوضعهم الأشياء بإرادته وتقديره في غير مواضعها ، لأنه أظلم قلوبهم فجعلها أحلك من الليل{[12514]} الحالك فلم يبق لهم ذلك{[12515]} وجهاً ثابتاً{[12516]} يستمسكون به ، فأين منهم الهداية وقد صاروا بمراحل عن مواطن أهل العناية ! وقصر فعل الهداية لإفادة العموم ، قال الإمام : فاختصر اللفظ إفادة لزيادة{[12517]} المعنى وهو من اللطائف القرآنية .


[12452]:في م وظ: سبحانه ما له.
[12453]:من م ومد وظ، وفي الأصل: تولية.
[12454]:من م ومد وظ، وفي الأصل: خربه، وفي م: ضربه.
[12455]:في من : جدلانه.
[12456]:زيد في ظ: الله.
[12457]:من م ومد وظ، وفي الأصل: عبادة ـ كذا.
[12458]:مناسبة هذه الآية لما قبلها لما أخبر أنه ولى الذين آمنوا وأخبر أن الكفار أولياؤهم الطاغوت ذكر هذه القصة التي جرت بين إبراهيم والذي حاجه وأنه ناظر ذلك الكافر فغلبه وقطعه إذ كان اله وليه، وانقطع ذلك الكافر وبهت إذ كان وليه هو الطاغوت "إلا أن حزب الله هم الغالبون" إلا أن حزب الله هم المفلحون". فصارت هذه القصة مثلا للمؤمن والكافر اللذين تقدم ذكرهما ـ البحر المحيط 2/286.
[12459]:من م ومد وظ، وفي الأصل: يخبرك.
[12460]:من م ومد وظ، وفي الأصل: يخبرك.
[12461]:في م: عن.
[12462]:زيد من م وظ ومد.
[12463]:أخره في م وظ ومد عن "المحسن إليه".
[12464]:أخره في ومد وظ عن "المحسن إليه".
[12465]:من م ومد وظ، وفي الأصل: قدرة، وفي م: قدرته.
[12466]:في الأصل: ركن، والتصحيح من م ومد وظ .
[12467]:هو نمرود بن كنعان بن كوش بن سام بن نوح ملك زمانه وصاحب النار والبعوضة ـ قاله مجاهد وقتادة والربيع والسدى وابن إسحاق وزيد بن أسلم وغيرهم، وقال ابن جريج: هو أول ملك في الأرض . . . وقال قتادة: هو أول من تجير وهو صاحب الصرح ببابل، وقيل: إنه ملك الدنيا بأجمعها ونفذت فيها طينة وقال مجاهد ملك الأرض مؤمنان: سليمان وذو القرنين، وكافران: نمرود وبخت نصر ـ البحر المحيط 2/286. .
[12468]:من م ومد وظ، وفي الأصل: الكبرى.
[12469]:ليست في ظ.
[12470]:ليست في ظ.
[12471]:من م ومد، وفي ظ: يفيض ـ كذا وفي الأصل: يفيض.
[12472]:من م، وفي بقية الأصول: زعم.
[12473]:من مد وظ ، وفي م: الاربيين، وفي الأصل: الارهبين.
[12474]:في م وظ ومد: بلاء وفتنة.
[12475]:في م وظ ومد: بلاء وفتنة.
[12476]:في الأصل: يطيعون، والتصحيح من م ومد وظ.
[12477]:في الأصل: أمكن، والتصحيح من م وظ ومد.
[12478]:في الأصل: لهم، والتصحيح من م وظ ومد.
[12479]:في م: الآية.
[12480]:زيد من م ومد وظ.
[12481]:زيد من م ومد وظ.
[12482]:من م ومد وظ، وفي الأصل: حاجة.
[12483]:ليس في م.
[12484]:هذا من إبراهيم عن سؤال سبق من الكافر وهو أن قال: من ربك؟ وقد تقدم في قصته شيء من هذا، وإلا فلا يبتدأ كلام بهذا، واختص إبراهيم من آيات الله بالإحياء والإماتة لأنهما أبدع آيات الله وأشهرها وأدلها على تمكن القدرة . . . وفي قول إبراهيم "ربي الذي يحيي ويميت" . . . إشارة إلى أنه هو الذي أوجد الكافر ويحييه ويميته كأنه قال: ربي الذي يحيي ويميت هو متصرف فيك وفي أشياعك بما لا تقدر عليه أنت ولا أشباهك من هذين الوصفين العظمين المشاهدين للعالم اللذين لا ينفع فيهما حيل الحكماء ولا طب الأطباء ـ البحر المحيط 2/288.
[12485]:زيد من م ومد وظ، غير أن في ظ تجمع.
[12486]:زيد في الأصل "على" ولم تكن الزيادة في م ومد وظ فحذفناها.
[12487]:في ظ: ما.
[12488]:ليس في م ومد وظ.
[12489]:في ظ: أحفيت.
[12490]:في م: متابعة.
[12491]:سورة 61 آية 53.
[12492]:في الأصل : هل، والتصحيح من م وظ ومد. وفي البحر المحيط 2/288: لما خيل الكافر أنه مشارك لرب إبراهيم في الوصف الذي ذكره إبراهيم و رأي إبراهيم من معارضته ما يدل على ضعف فهمه أو مغالطته فإنه عارض اللفظ بمثله ولم يتدبر اختلاف الوصفين ذكر له ما لا يمكن أن يدعيه ولا يغالط فيه، واختلف المفسرون هل ذلك انتقال من دليل إلى دليل أو هو دليل واحد والانتقال فيه من مثال إلى مثال أوضح منه.
[12493]:سقط من م.
[12494]:سورة 41 آية 53.
[12495]:العبارة المحجوزة زيدت من م ومد وظ.
[12496]:في ظ: شمس.
[12497]:سقط من م.
[12498]:زيد في ظ: أي.
[12499]:في مد: حالة.
[12500]:في مد: صورة.
[12501]:من م وظ ومد، وفي الأصل: إن.
[12502]:ليست في م.
[12503]:ليست في م.
[12504]:ليست في م.
[12505]:زيد في م: غير.
[12506]:زيد من م وظ ومد.
[12507]:سقط من ظ.
[12508]:في ظ: الله.
[12509]:ليس في ظ.
[12510]:سقط من م.
[12511]:العبارة من هنا إلى "معه" ليست في ظ.
[12512]:زيد في م: له الأمر.
[12513]:في الأصل: الذي، والتصحيح من م وظ ومد.
[12514]:في ظ: اليل.
[12515]:زيد من م وظ ومد.
[12516]:في الأصل: ثانيا، والتصحيح من م وظ ومد.
[12517]:من م وظ ومد، وفي الأصل: بزيادة.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبۡرَٰهِـۧمَ فِي رَبِّهِۦٓ أَنۡ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلۡمُلۡكَ إِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحۡيِۦ وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا۠ أُحۡيِۦ وَأُمِيتُۖ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأۡتِي بِٱلشَّمۡسِ مِنَ ٱلۡمَشۡرِقِ فَأۡتِ بِهَا مِنَ ٱلۡمَغۡرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِي كَفَرَۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (258)

قوله تعالى : ( ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك ) فقد خاصم نمروذ إبراهيم في ربه جاحدا إياه ؛ وذلك لفرط غروره وكبريائه نتيجة الملك الواسع الذي أعطاه الله إياه .

وقوله : ( إذ قال إبراهيم رحبي الذي يحي ويميت قال أنا أحيي وأميت ) ساق إبراهيم هذه الحدة ليبرهن لنمروذ على يقينية الوجود لله وعلى عظمته وجلاله وسلطانه ، فالذي بيده الإحياء والإماتة لهو إله خالق مطلق الإرادة والمشيئة ، لكن الطاغية المتأله نمروذ لا يتورع أن يجحد ويتمرد ويستكبر هو يبادر في غرور لجوج وفي عماية مطبقة ليزعم أنه قادر على الإحياء والإماتة . وقد ذكر كثير من المفسرين والشرّاح أن نمروذ كان يقصد بذلك أن يعفو عن المدان بعد تجريمه وذلك إحياء له . أما إن قتله فلا يعني بذلك إلا أنه أماته بمشيئته وإرادته .

حتى إذا استبان لإبراهيم عُقم الاحتجاج المعتبر ، وأن هذا الملك الجاحد الطاغية لا يعرف المنطق والبرهان إلى ذهنه وبصيرته سبيلا ، بادر إلى مساءلته بما يتحداه ويحرجه إحراجا لا يجد معه مجالا للمواربة أو طول الجدل ، فقال الله حاكيا عن إبراهيم في هذا الصدد : ( قال لإبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فإت بها من المغرب ) ذلك تحدّ صارخ مؤنس لنمروذ أن يأتي بالشمس من المغرب حال طلوعها خلافا لتقدير الله سبحانه ؛ إذ يأتي بها من المشرق . وهنا ينكشف التمحل والاصطناع ، ويتبدد الزيف والمراوغة ، ويستبين الضعف الذي يركب طبيعة الإنسان ( فبهت الذي كفر ) وبهت كلمة جامعة ، وهي بحث تعبّر عن المقصود أكمل تعبير . وهي تتناول كل معاني الدهشة والحيرة والإحراج والانهزام والتقهقر والارتباك .

قوله : ( والله لا يهدي القوم الظالمين ) لا يجعل الله لمثل هؤلاء الكفرة المشركين حجة و برهانا يوثق مزاعمهم ، بل إن احتجاجهم وما يصطنعونه من برهان لهو دائما مكذوب وداحض .