الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَمَآ أَرۡسَلۡنَا قَبۡلَكَ إِلَّا رِجَالٗا نُّوحِيٓ إِلَيۡهِمۡۖ فَسۡـَٔلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلذِّكۡرِ إِن كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ} (7)

قوله تعالى : " وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم " {[11225]} هذا رد عليهم في قولهم : " هل هذا إلا بشر مثلكم " [ الأنبياء : 3 ] وتأنيس لنبيه صلى الله عليه وسلم ، أي لم يرسل قبلك إلا رجالا . " فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون " يريد أهل التوراة والإنجيل الذين آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم ، قاله سفيان . وسماهم أهل الذكر ؛ لأنهم كانوا يذكرون خبر الأنبياء مما لم تعرفه العرب . وكان كفار قريش يراجعون أهل الكتاب في آمر محمد صلى الله عليه وسلم . وقال ابن زيد : أراد بالذكر القرآن ، أي فاسألوا المؤمنين العالمين من أهل القرآن ، قال جابر الجعفي : لما نزلت هذه الآية قال علي رضي الله عنه : نحن أهل الذكر . وقد ثبت بالتواتر أن الرسل كانوا من البشر ، فالمعنى لا تبدؤوا بالإنكار وبقولكم ينبغي أن يكون الرسول من الملائكة ، بل ناظروا المؤمنين ليبينوا لكم جواز أن يكون الرسول من البشر . والملك لا يسمى رجلا ؛ لأن الرجل يقع على ماله ضد من لفظه تقول رجل وامرأة ، ورجل وصبي فقوله : " إلا رجالا " من بني آدم . وقرأ حفص وحمزة والكسائي " نوحي إليهم " .

مسألة : لم يختلف العلماء أن العامة عليها تقليد علمائها ، وأنهم المراد بقول الله عز وجل : " فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون " أجمعوا على أن الأعمى لا بدله من تقليد غيره ممن يثق بميزه بالقبلة إذا أشكلت عليه ، فكذلك من لا علم له ولا بصر بمعنى ما يدين به لا بد له من تقليد عالمه ، وكذلك لم يختلف العلماء أن العامة لا يجوز لها الفتيا ؛ لجهلها بالمعاني التي منها يجوز التحليل والتحريم .


[11225]:"يوحى" بالياء قراءة نافع.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَمَآ أَرۡسَلۡنَا قَبۡلَكَ إِلَّا رِجَالٗا نُّوحِيٓ إِلَيۡهِمۡۖ فَسۡـَٔلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلذِّكۡرِ إِن كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ} (7)

ولما بين أولاً أن الآيات تكون سبباً للهلاك ، فلا فائدة لهم{[50467]} في الإجابة إلى ما اقترحوه منها بعد بطلان ما قدحوا به في{[50468]} القرآن ، بيّن ثانياً بطلان ما قدحوا به في الرسول بكونه بشراً ، بأن الرسل الذين كانوا من قبله كانوا بإقرارهم من جنسه ، فما لهم أن ينكروا رسالته وهو مثلهم ، بل عليهم أن يعترفوا{[50469]} له عندما أظهر من المعجز كما اعترفوا لأولئك ، كل ذلك فطماً{[50470]} عن أن يتمنى أحد إجابتهم إلى التأييد بملك ظاهر ، فقال عاطفاً على ما{[50471]} " آمنت " : { وما أرسلنا } .

ولما كان السياق لإنكار أن يكون النبي بشراً ، وكان الدهر كله ما خلا قط جزء منه {[50472]}من رسالة{[50473]} ، إما برسول قائم ، وإما بتناقل أخباره ، كان تعميم الزمان أنسب فقال من غير حرف جر{[50474]} : { قبلك } أي في جميع الزمان الذي{[50475]} تقدم زمانك في جميع طوائف البشر { إلا رجالاً نوحي إليهم } بالملائكة سراً من غير أن يطلع على ذلك الملك غيرهم {[50476]}كما اقتضته العظمة من التخصيص والاختيار{[50477]} والإسرار عن الأغيار ، وذلك من نعم الله على خلقه ، لأن جعل الرسل من البشر أمكن للتلقي منهم والأخذ عنهم .

ولما لم يكن لهم طريق في علم هذا إن يقبلوا خبره عن القرآن إلا سؤال من كانوا يفزعون إليهم من أهل الكتاب ليشايعوهم{[50478]} على ما هم عليه من الشك والارتياب ، قال : { فسألوا أهل الذكر } ثم نبه على أنهم غير محتاجين فيه{[50479]} إلى السؤال بما كان قد بلغهم على الآجال من أحوال موسى وعيسى وإبراهيم وإسماعيل وغيرهم عليهم الصلاة والسلام بقوله ، معبراً بأداة الشكك محركاً لهم إلى المعالي : { إن كنتم } {[50480]}أي بجبلاتكم{[50481]} { لا تعلمون* } أي لا أهلية لكم في اقتناص علم ، بل كنتم أهل تقليد محض وتبع صرف .


[50467]:زيد من ظ ومد.
[50468]:زيد من ظ ومد.
[50469]:من ظ ومد، وفي الأصل: يعتروا.
[50470]:من ظ ومد وفي الأصل: عظيما، وبين سطري ظ: منعا.
[50471]:سقط من مد.
[50472]:من ظ ومد وفي الأصل: برسالة.
[50473]:من ظ ومد، وفي الأصل: برسالة.
[50474]:زيد من ظ ومد.
[50475]:زيد في الأصل: بعده: تقدم زمان ولم تكن الزيادة في ظ ومد فحذفناها.
[50476]:العبارة من هنا إلى "الأغيار" ساقطة من ظ.
[50477]:من مد، وفي الأصل: الأخيار.
[50478]:من مد، وفي الأصل: ليتابعوهم والعبارة من هنا بما فيها هذه الكلمة ساقطة من ظ إلى "والارتياب".
[50479]:بين سطري ظ: العلم.
[50480]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[50481]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَمَآ أَرۡسَلۡنَا قَبۡلَكَ إِلَّا رِجَالٗا نُّوحِيٓ إِلَيۡهِمۡۖ فَسۡـَٔلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلذِّكۡرِ إِن كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ} (7)

قوله تعالى : { وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ( 7 ) وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين ( 8 ) ثم صدقناهم الوعد فأنجيناهم ومن نشاء وأهلكنا المسرفين ( 9 ) } .

هذه تسلية وتأنيس من الله لرسوله ( ص ) ، في مقابلة ما قاله المشركون : إن محمدا بشرا مثلكم . والمعنى : أن الله لم يرسل قبل محمد ( ص ) إلا رجالا أوحي إليهم ( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) أي إن كنتم لا تعلمون هذه الحقيقة أو لا تصدقونها فاسألوا أهل العلم بالتوراة والإنجيل ؛ فإنهم يعلمون أن الله لم يرسل أنبياءه من غير البشر .