قوله تعالى : " بل قالوا أضغاث أحلام " قال الزجاج : أي قالوا الذي يأتي به أضغاث أحلام . وقال غيره : أي قالوا هو أخلاط كالأحلام المختلطة ، أي أهاويل رآها في المنام ، قال معناه مجاهد وقتادة ، ومنه قول الشاعر :
كَضِغْثِ حُلْمٍ غُرَّ مِنْهُ حَالِمُهْ
وقال القتبي : إنها الرؤيا الكاذبة ، وفيه قول الشاعر :
أحاديثُ طَسْمٍ أو سَرَابٌ بِفَدْفَدٍ *** ترقرقَ للسَّارِي وأضغاثُ حَالِمِ
وقال اليزيدي : الأضغاث ما لم يكن له تأويل . وقد مضى هذا في " يوسف " {[11222]} . فلما رأوا أن الأمر ليس كما قالوا انتقلوا عن ذلك فقالوا : " بل افتراه " ثم انتقلوا عن ذلك فقالوا : " بل هو شاعر " أي هم متحيرون لا يستقرون على شيء قالوا : مرة سحر ، ومرة أضغاث أحلام ، ومرة افتراه ، ومرة شاعر . وقيل : أي قال فريق إنه ساحر ، وفريق إنه أضغاث أحلام ، وفريق إنه افتراه ، وفريق إنه شاعر . والافتراء الاختلاق ، وقد تقدم . " فليأتنا بآية كما أرسل الأولون " أي كما أرسل موسى بالعصا وغيرها من الآيات ومثل ناقة صالح . وكانوا عالمين بأن القرآن ليس بسحر ولا رؤيا ولكن قالوا : ينبغي أن يأتي بآية نقترحها ، ولم يكن لهم الاقتراح بعدما رأوا آية واحدة . وأيضا إذا لم يؤمنوا بآية هي من جنس ما هم أعلم الناس به ، ولا مجال للشبهة فيها فكيف يؤمنون بآية غيرها ، ولو أبرأ الأكمه والأبرص لقالوا : هذا من باب الطب ، وليس ذلك من صناعتنا ، وإنما كان سؤالهم تعنتا إذ كان الله أعطاهم من الآيات ما فيه كفاية . وبين الله عز وجل أنهم لو كانوا يؤمنون لأعطاهم ما سألوه لقوله عز وجل : " ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون " {[11223]} [ الأنفال : 23 ] .
ولما كانت أقوالهم في أمر القرآن قد اضطربت ، والإضطراب من أمارات الباطل ، وكان وصفهم له بأنه سحر مما يهول السامع ويعلم منه{[50428]} أنه معجز ، فربما أدى إلى الاستبصار في أمره ، أخبر أنهم نزلوا به عن رتبة السحر على سبيل الاضطراب فقال : { بل قالوا } أي عن هذا الذكر الحكيم أنه { أضغاث أحلام } أي تخاليط نائم مبناه الباطل وإن كان ربما صدق بالأخبار ببعض المغيبات التي كشف الزمان عن أنها كما أخبر القرآن ، ثم أنزلوا عن ذلك إلى الوصف موجب لأعظم النفرة عنه و{[50429]}عمن ظهر عنه فقالوا : { بل افتراه } أي{[50430]} {[50431]}تعمد وصفه{[50432]} من عند نفسه ونسبه إلى الله .
ولما كان ذلك{[50433]} لا ينافي كون مضمونه{[50434]} صادقاً في نفسه ، قالوا { بل هو شاعر } أي يخيل ما لا حقيقة له كغيره من الشعراء ، تتربص{[50435]} به ريب المنون لأنه بشر كما تقدم ، فلا بد أن يموت ونستريح بعد موته ، وإليه أشار في{[50436]} آخر التي قبلها{ قل كل متربص }[ طه : 135 ] إلى أخره ، فاضطربت أقوالهم وعوّلوا أخيراً على قريب من السحر في نفي الحقيقة .
ولما كانوا يصفون القرآن بجميع هذه الأوصاف جملة ، يقولون لكل شخص ما رأوه أنسب له منها ، نبه الله سبحانه كل من له لب على بطلانها كلها{[50437]} بتناقضها بحرف الإضراب{[50438]} إشارة إلى أنه كان يجب على من قالها على قلة عقله وعدم حيائه أن لا ينتقل إلى قول منها إلا بعد الإعراض عن الذي قبله ، وأنه مما يضرب عنه لكونه غلطاً ، ما قيل إلا عن سبق لسان وعدم تأمل{[50439]} ، ستراً لعناده وتدليساً لفجوره ، ولو فعل ذلك لكانت جديرة بانكشاف بطلانها بمجرد الانتقال فكيف عند اجتماعها{[50440]} . ولما كانت نسبته إلى الشعر أضعفها شأناً ، وأوضحها بطلاناً ، لم يحتج إلى إضراب{[50441]} عنه ، وعبروا في الأضغاث بوصف القرآن تأكيداً لعيبه{[50442]} ، وفي الافتراء والشعر بوصفه صلى الله عليه وسلم لذلك{[50443]} .
ولما أنتج لهم ذلك على زعمهم القدح في أعظم المعجزات ، سببوا عن هذا القدح طلب آية فقالوا : { فليأتنا } أي دليلاً على رسالته { بآية } أي لأنا قد بينا بطعننا أن القرآن ليس بآية ؛ ثم خيلوا النصفة بقولهم : { كما } {[50444]}أي مثل ما ، وبنوا الفعل للمفعول إشارة إلى أنه متى صحت الرسالة كان ذلك بزعمهم من غير تخلف لشيء أصلاً فقالوا{[50445]} : { أرسل الأولون* } {[50446]}أي بالآيات مثل تسبيح الجبال ، وتسخير الريح ، وتفجير الماء ، وإحياء الموتى ، وهذا تناقض آخر في اعترافهم برسالة الأولين مع معرفتهم أنهم بشر ، وإنكارهم رسالته صلى الله عليه وسلم لكونه بشراً ، ولم يستحيوا {[50447]}بعد التناقض{[50448]} من المكابرة فيما أتاهم به من انشقاق القمر ، وتسبيح الحصى ، ونبع الماء ، والقرآن المعجز ، مع كونه أمياً - إلى غير ذلك .
قوله : ( بل قالوا أضغاث أحلام ) ( أضغاث ) جمع ضغث ومعناه القبضة من الحشيش المختلط رطبه بيابسه . وأضغاث الأحلام ، يعني الرؤيا التي لا يصح تأويلها لاختلاطها{[3018]} . لقد قال المشركون عما يأتي رسول الله ( ص ) من وحي : إنه أخلاط كالأحلام المختلطة . ثم أضربوا عن قولهم إنه تخاليط أحلام رآها في نومه ، إلى قولهم : ( بل افتراه ) أي ما جاءهم به محمد ( ص ) إن هو إلا كلام مفترى . ثم أضربوا عن قولهم هذا إلى قوله : ( بل هو شاعر ) هكذا كان المشركون الظالمون . كانوا متلجلجين حيارى في أقوالهم . مترددين في افتراءاتهم وأباطيلهم الظالمة عن حقيقة هذا النبي الكريم .
فما كان يأتي النبي ( ص ) غير الوحي الصادق الأمين المنزل من السماء ؛ إذ كان يأتيه بالسورة أو الآيات . فما كان جبريل يبرحه إلى السماء حتى ترسخ في قلبه آيات الرحمان رسوخ الرواسي ليتلوها بعد ذلك على الناس ؛ فإذا هي منظوم رباني فذ ليس له في كلام العالمين شبيه ولا مثيل ، فأين ذلك من أهاويل الرؤية المختلطة في المنام ؟ !
ولئن قالوا افتراه أو اختلقه من عنده ، فما بين القرآن وحديث الرسول ( ص ) من سعة البون وهائل المباينة والاختلاف مثل الذي بين السماء والأرض أو أكبر ؛ فإن الحديث والقرآن ، من حيث روعة النظم وعجيب الأسلوب ، لمختلفان بالغ الاختلاف ؛ فأنى بعد ذلك لغاشم جهول أن يزعم أن القرآن من صنع محمد ( ص ) ؟ !
أما قولهم : إن محمدا شاعر فلا جرم أن ذلك أبعد في الجهل وأرسخ في الحماقة وتعْس الافتراء والتقوّل . فما كان القرآن إلا قرآنا . هكذا سماه الله ؛ فهو ليس على ضرب من ضروب الكلام في أساليب العرب ، كالشعر أو النثر أو السجع أو الخطابة ؛ بل إنه قرآن وكفى .
قوله : ( فليأتنا بآية كما أرسل الأولون ) سألوا أن يأتيهم رسول الله مثل ما أوتي موسى العصا ، ومثل ما أوتي صالح الناقة . مع أنهم يعلمون أكثر من غيرهم من سائر الأمم أن القرآن فيه من كمال الإعجاز ما يغنيهم عن سائر المعجزات الملموسة والمنظورة . لكنه العناد والجحود والاستكبار ، وفرط النفور من الإذعان للحق والصواب .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.