قوله تعالى : " لقد أنزلنا إليكم كتابا " يعني القرآن . " فيه ذكركم " رفع بالابتداء والجملة في موضع نصب لأنها نعت لكتاب ، والمراد بالذكر هنا الشرف ، أي فيه شرفكم ، مثل " وإنه لذكر لك ولقومك " {[11228]} [ الزخرف : 44 ] . ثم نبههم بالاستفهام الذي معناه التوقيف فقال عز وجل : " أفلا تعقلون " وقيل : فيه ذكركم أي ذكر أمر دينكم ، وأحكام شرعكم وما تصيرون إليه من ثواب وعقاب ، أفلا تعقلون هذه الأشياء التي ذكرناها ؟ ! وقال مجاهد : " فيه ذكركم " أي حديثكم . وقيل : مكارم أخلاقكم ، ومحاسن أعمالكم . وقال سهل بن عبد الله : العمل بما فيه حياتكم .
قلت : وهذه الأقوال بمعنى والأول يعمها ؛ إذ هي شرف كلها ، والكتاب شرف لنبينا عليه السلام ؛ لأنه معجزته ، وهو شرف لنا إن عملنا بما فيه ، دليله قول عليه السلام : ( القرآن حجة لك أو عليك ) .
ولما انقضى ما لزمهم بسبب الإقرار برسلية البشر من الإقرار برسلية رسولهم صلى الله عليه وسلم لكونه مساوياً لهم في النوع والإتيان بالمعجز ، وما فعل بهم وبأممهم ترغيباً وترهيباً ، وختم ذلك بأنه أباد المسرفين ، ومحا ذكرهم إلا بالبشر ، التفت إلى الذكر الذي طعنوا فيه ، فقال مجيباً لمن كأنه قال : هذا الجواب عن الطعن في الرسول قد عرف ، فما الجواب عن الطعن في الذكر ؟ معرضاً عن جوابهم لما تقدم من الإشارة بحرف الإضراب{[50508]} إلى أن ما طعنوا به فيه لا يقوله عاقل ، مبيناً لما{[50509]} لهم فيه من الغبطة التي هم لها رادون ، والنعمة التي هم بها كافرون : { لقد } أي وعزتنا لقد{[50510]} { أنزلنا } بما لنا من العظمة { إليكم } يا معشر قريش بل العرب قاطبة { كتاباً } أي جامعاً لجميع المحاسن لا يغسله الماء ولا يحرقه{[50511]} النار { فيه ذكركم } طوال الدهر بالخير إن أطعتم ، والشر إن عصيتم ، وبه شرفكم على سائر الأمم {[50512]}بشرف ما فيه من مكارم الأخلاق التي كنتم تتفاخرون بها{[50513]} وبشرف نبيكم الذي تقولون عليه الأباطيل ، وتكثرون فيه القال والقيل .
ولما تم ذلك{[50514]} على هذا الوجه ، نبه أنه يتعين على كل ذي لب الإقبال عليه والمسارعة إليه ، فحسن جداً قوله منكراً عليهم منبهاً على أن علم ذلك لا يحتاج إلى غير العقل المجرد عن الهوى : { أفلا تعقلون* } .
قوله تعالى : { لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم أفلا تعقلون ( 10 ) وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما آخرين ( 11 ) فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون ( 12 ) لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون ( 13 ) قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين ( 14 ) فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدا حامدين ( 15 ) } ( ذكرهم ) ، مرفوع على أنه مبتدأ . وفيه خبره . والجملة ( فيه ذكركم ) في موضع نصب صفة لكتاب{[3020]} .
وذلك تنبيه من الله على عظيم شرف القرآن وقدره وعلى تكريم هذه الأمة ؛ إذ كتب لها هذا الشرف وبما يتجلى فيها من سماحة العقيدة وكمال التشريع ومحاسن الأخلاق ؛ فهذه الأمة آمرة بالمعروف ، ناهية عن المنكر ، حاملة للواء التوحيد والفضيلة والرحمة للبشرية كافة .
قوله : ( أفلا تعقلون ) الاستفهام للتوبيخ والتقريع ؛ أي أفلا تعقلون ما أنعم الله به عليكم من التشريف بالقرآن وما تتحلون به من المكارم والشمائل والمزايا .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.