الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَإِنَّ هَٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَأَنَا۠ رَبُّكُمۡ فَٱتَّقُونِ} (52)

فيه أربع مسائل :

الأولى-قوله تعالى : " وإن هذه أمتكم أمة واحدة " المعنى : هذا الذي تقدم ذكره هو دينكم وملتكم فالتزموه . والأمة هنا الدين ، وقد تقدم محامله{[11682]} ، ومنه قوله تعالى : " إنا وجدنا آباءنا على أمة " {[11683]}[ الزخرف : 22 ] أي على دين . وقال النابغة :

حلفتُ فلم أترك لنفسك ريبةً *** وهل يَأْثَمَنْ ذُو أُمَّةٍ وهو طَائِعُ

الثانية-قرئ " وإن هذه " بكسر " إن " على القطع ، وبفتحها وتشديد النون . قال الخليل : هي في موضع نصب لما زال الخافض ، أي أنا عالم بأن هذا دينكم الذي أمرتكم أن تؤمنوا به . وقال الفراء : " أن " متعلقة بفعل مضمر تقديره : واعلموا أن هذه أمتكم . وهي عند سيبويه متعلقة بقوله " فاتقون " ، والتقدير فاتقون لأن أمتكم واحدة . وهذا كقوله تعالى : " وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحد " {[11684]}[ الجن : 18 ] ، أي لأن المساجد لله فلا تدعوا معه غيره . وكقوله : " لإيلاف قريش " {[11685]} [ قريش : 1 ] ؛ أي فليعبدوا رب هذا البيت لإيلاف قريش .

الثالثة-وهذه الآية تقوي أن قوله تعالى : " يا أيها الرسل " إنما هو مخاطبة لجميعهم ، وأنه بتقدير حضورهم . وإذا قدرت " يا أيها الرسل " مخاطبة لمحمد صلى الله عليه وسلم قلق{[11686]} اتصال هذه الآية واتصال قوله " فتقطعوا " . أما أن قوله " وأنا ربكم فاتقوني " وإن كان قيل للأنبياء فأممهم داخلون فيه بالمعنى ، فيحسن بعد ذلك اتصال .


[11682]:راجع ج 2 ص 127 و ج 3 ص 30.
[11683]:راجع ج 16 ص 74.
[11684]:راجع ج 19 ص 19.
[11685]:راجع ج 20 ص 200.
[11686]:كذا في ب و ج و ك والمعنى المراد واضح، وهو أن هذا التقدير يقلق ويقطع الاتصال بين الاثنين.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَإِنَّ هَٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَأَنَا۠ رَبُّكُمۡ فَٱتَّقُونِ} (52)

ولما كان هذا تعليلاً لما سبقه من الأمر ، عطف على لفظه قوله : { وإن } بالكسر في قراءة الكوفيين ، وعلى معناه لما كان يستحقه لو أبرزت لام العلة من الفتح في قراءة غيرهم { هذه } أي دعوتكم أيها الأنبياء المذكورون إجمالاً وتفصيلاً وملتكم المجتمعة على التوحيد أو الجماعة التي أنجيتها معكم من المؤمنين { أمتكم } أي مقصدكم الذي ينبغي أن لا توجهوا هممكم إلى غيره أو جماعة أتباعكم حال كونها { أمة واحدة } لا شتات فيها أصلاً ، فما دامت متوحدة فهي مرضية { وأنا ربكم } أي المحسن إليكم بالخلق والرزق وحدي ، فمن وحدني نجا ، ومن كثر الأرباب هلك .

ولما كان الخطاب في هذه السورة كلها للخلص من الأنبياء ومن تبعهم من المؤمنين ، قال : { فاتقون* } أي اجعلوا بينكم وبين غضبي وقاية من جمع عبادي بالدعاء إلى وحدانيتي بلا فرقة أصلاً ، بخلاف سورة الأنبياء المصدرة بالناس فإن مطلق العبارة أولى بدعوتها .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَإِنَّ هَٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَأَنَا۠ رَبُّكُمۡ فَٱتَّقُونِ} (52)

قوله : ( وإن هذه أمتكم أمة واحدة ) إن ، بالكسر على الابتداء والاستئناف وتقرأ أيضا بالفتح على أنها منصوبة بفعل مقدر وتقديره : واعلموا أن هذه أمتكم . و ( أمة واحدة ) ، منصوب على الحال ؛ أي هذه أمتكم مجتمعة . وتقرأ بالرفع على أنها بدل من ( أمتكم ) التي هي خبر إن . أو أنها خبر لمبتدأ محذوف ، وتقديره : هي أمة واحدة{[3176]} .

والمراد بالأمة هنا ، الملة أو الدين . أي أنكم جميعا ، ملتكم واحدة ودينكم واحد وهو التوحيد الخالص لله ، ووجوب الإذعان لجلاله بالانقياد والامتثال ؛ فهو سبحانه وحده المعبود ، ليس له شريك ولا نديد ولا نظير .

قوله : ( وأنا ربكم فاتقون ) الفاء لترتيب الأمر بالتقوى على كون الله مختصا بالربوبية ؛ أي لا تفعلوا ما يقتضي عقابكم بمخالفتكم أمري ؛ بل خافوا عقابي والتزموا أحكامي وشرعي .


[3176]:- البيان لابن الأنباري جـ2 ص 186.