الأولى- قوله تعالى : " والذين لا يشهدون الزور " أي لا يحضرون الكذب والباطل ولا يشاهدونه . والزور كل باطل زور وزخرف ، وأعظمه الشرك وتعظيم الأنداد . وبه فسر الضحاك وابن زيد وابن عباس وفي رواية عن ابن عباس أنه أعياد المشركين . عكرمة : لعب كان في الجاهلية يسمى بالزور . مجاهد : الغناء . وقاله محمد ابن الحنفية أيضا . ابن جريج : الكذب ، وروي عن مجاهد . وقال علي بن أبي طلحة ومحمد بن علي : المعنى لا يشهدون بالزور ، من الشهادة لا من المشاهدة . قال ابن العربي : أما القول بأنه الكذب فصحيح ، لأن كل ذلك إلى الكذب يرجع ، وأما من قال إنه لعب كان في الجاهلية فإنه يحرم ذلك إذا كان فيه قمار أو جهالة ، أو أمر يعود إلى الكفر ، وأما القول بأنه الغناء فليس ينتهي إلى هذا الحد .
قلت : من الغناء ما ينتهي سماعه إلى التحريم ، وذلك كالأشعار التي توصف فيها الصور المستحسنات والخمر وغير ذلك مما يحرك الطباع ومخرجها عن الاعتدال ، أو يثير كامنا من حب اللهو ، مثل قول بعضهم :
ذهبي اللون تحسب من *** وجنتيه النار تقتدحُ
خوفوني من فضيحته *** ليته وافى وأفتضحُ
لا سيما إذا اقترن بذلك شبابات{[12175]} وطارات مثل ما يفعل اليوم في هذه الأزمان ، على ما بيناه في غير هذا الموضع . وأما من قال إنه شهادة الزور وهي :
الثانية- فكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يجلد شاهد الزور أربعين جلدة ، ويسخم وجهه ، ويحلق رأسه ، ويطوف به في السوق . وقال أكثر أهل العلم : ولا تقبل له شهادة أبدا وإن تاب وحسنت حاله فأمره إلى الله . وقد قيل : إنه إذا كان غير مبرز فحسنت حال قبلت شهادته حسبما تقدم بيانه في سورة " الحج " {[12176]} فتأمله هناك .
قوله تعالى : " وإذا مروا باللغو مروا كراما " قد تقدم الكلام في اللغو ، وهو كل سقط من قول أو فعل ، فيدخل فيه الغناء واللهو وغير ذلك مما قاربه ، وتدخل فيه سفه المشركين وأذاهم المؤمنين وذكر النساء وغير ذلك من المنكر . وقال مجاهد : إذا أوذوا صفحوا . وروي عنه : إذا ذكر النكاح كنوا عنه . وقال الحسن : اللغو المعاصي كلها . وهذا جامع . و " كراما " معناه معرضين منكرين لا يرضونه ، ولا يمالئون عليه ، ولا يجالسون أهله . أي مروا مر الكرام الذين لا يدخلون في الباطل . يقال تكرم فلان عما يشينه ، أي تنزه وأكرم نفسه عنه . وروي أن عبد الله بن مسعود سمع غناء فأسرع وذهب ، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( لقد أصبح ابن أم عبد كريما ) . وقيل : من المرور باللغو كريما أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر .
ولما وصف عباده سبحانه بأنهم تحلوا بأصول الفضائل ، وتخلوا عن أمهات الرذائل ، ورغب التوبة ، لأن الإنسان لعجزه لا ينفك عن النقص ، وكان قد مدحهم بعد الأولى من صفاتهم بالحلم عن الجهل مدحهم قبل الأخرى من أمداحهم وعقب تركهم الزنا بالإعراض أصلاً عن اللغو الذي هو أعظم مقدمات الزنا فقال : { والذين لا يشهدون } أي يحضرون انحرافاً مع الهوى كما تفعل النار التي الشيطان منها { الزور } أي القول المنحرف عن الصدق كذباً كان أو مقارباً له فضلاً عن أن يتفوهوا به ويقروا عليه ؛ قال ابن جرير : وأصل الزور تحسين الشيء ووصفه بخلاف صفته حتى يخيل إلى من يسمعه أو يراه أنه بخلاف ما هو به فهو تمويه الباطل بما يوهم أنه حق ، والشرك قد يدخل في ذلك لأنه محسن لأهله حتى ظنوا أنه حق وهو باطل ، ويدخل فيه الغنا لأنه أيضاً مما يحسن بترجيع الصوت حتى يستحلي سامعه سماعه ، والكذب أيضاً يدخل فيه بتحسين صاحبه إياه حتى يظن أنه حق .
وعطف عليه ما هو أعم منه فقال : { وإذا مروا باللغو } أي الذي ينبغي أن يطرح ويبطل سواء كان من وادي الكذب أو العبث الذي لا يجدي ؛ قال ابن جرير : وهو في كلام العرب كل كلام أو فعل باطل لا حقيقة له ولا أصل ، أو ما يستقبح . { مروا كراماً* } أي آمرين بالمعروف ، ناهين عن المنكر ، إن تعلق بهم أمر أو نهي ، بإشارة أو عبارة ، على حسب ما يرونه نافعاً ، أو معرضين إن كان لا يصلح شيء من ذلك لإثارة مفسدة أعظم من ذلك أو نحوه ، رحمة لأنفسهم وغيرهم ، وأما حضورهم لذلك وسكوتهم فلا ، لأن النظارة إلى كل ما لم تسوغه الشريعة هم شركاء فاعليه في الإثم لأن حضورهم ونظرهم دليل الرضا به ، وسبب لوجوده والزيادة فيه .
قوله تعالى : { والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما ( 72 ) والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا ( 73 ) والذين يقولون ربنا هب لنا من أزوجانا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما ( 74 ) } هذه بضع من الصفات الجليلة لعباد الرحمان . فهم ( لا يشهدون الزور ) والزور في اللغة بمعنى الكذب . ازورّ عن الشيء ازورارا ؛ أي عدل عنه وانحرف{[3358]} وجاء في تأويل الزور في الآية عدة أقوال منها : أنه الشرك . وقيل : أعياد أهل الذمة . وقيل : الغناء . وأظهرها أنه الكذب . والمعنى : أن المؤمنين لا يحضرون مجالس الكذب والباطل . ويحتمل أن يكون معنى الزور إقامة الشهادة الباطلة . فيكون المعنى أنهم لا يشهدون شهادة الزور .
قوله : ( وإذا مروا باللغو مروا كراما ) منصوب على الحال من واو ( مروا ) {[3359]} اللغو ، كل كلام أو فعل باطل أو سقط لا أصل له ولا حقيقة . فيدخل فيه الغناء واللهو وغير ذلك مما يستقبح من القول . ويدخل فيه كذلك سفه المشركين ، وأذاهم المؤمنين . وكذلك ذكر النساء بالسفه من القول . فإذا مر المؤمنين بشيء من ذلك فسمعوه أو رأوه ( مروا كراما ) أي أعرضوا عنه منكرين ، لا يرضونه ولا يجالسون أهله . بل يكرمون أنفسهم بالترفع عن مجالسة أهل اللغو من فارغ القول وسقط الكلام .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.