قوله تعالى : { قل أرأيتكم } وقرأ نافع بتخفيف الهمزتين ، يلقي حركة الأولى على ما قبلها ، ويأتي بالثانية بين بين . وحكى أبو عبيد عنه أنه يسقط الهمزة ويعوض منها ألفا . قال النحاس : وهذا عند أهل العربية غلط عليه ؛ لأن الياء ساكنة والألف ساكنة ولا يجتمع ساكنان . قال مكي : وقد روي عن ورش أنه أبدل من الهمزة ألفا ؛ لأن الرواية عنه أنه يمد الثانية ، والمد لا يتمكن إلا مع البدل ، والبدل فرع عن الأصول ، والأصل أن تجعل الهمزة بين الهمزة المفتوحة والألف ، وعليه كل من خفف الثانية غير ورش ، وحسن جواز البدل في الهمزة وبعدها ساكن لأن الأول حرف مد ولين ، فالمد الذي يحدث مع الساكن يقوم مقام حركة يوصل بها إلى النطق بالساكن الثاني . وقرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة { أرأيتكم } بتحقيق الهمزتين وأتوا بالكلمة على أصلها ، والأصل الهمز ؛ لأن همزة الاستفهام دخلت على { رأيت } فالهمزة عين الفعل ، والياء ساكنة لاتصال المضمر المرفوع بها . وقرأ عيسى بن عمر والكسائي { أريتكم } بحذف الهمزة الثانية . قال النحاس : وهذا بعيد في العربية ، وإنما يجوز في الشعر ، والعرب تقول : أرأيتك زيدا ما شأنه . ومذهب البصريين أن الكاف والميم للخطاب ، لا حظ لهما في الإعراب ، وهو اختيار الزجاج . ومذهب الكسائي والفراء وغيرهما أن الكاف والميم نصب بوقوع الرؤية عليهما ، والمعنى أرأيتم أنفسكم ، فإذا كانت للخطاب - زائدة للتأكيد - كان ( إن ) من قوله { إن أتاكم } في موضع نصب على المفعول لرأيت ، وإذا كان اسما في موضع نصب ( فإن ) في موضع المفعول الثاني ، فالأول من رؤية العين لتعديها لمفعول واحد ، وبمعنى العلم تتعدى إلى مفعولين . وقوله : { أو أتتكم الساعة } المعنى : أو أتتكم الساعة التي تبعثون فيها . ثم قال : { أغير الله تدعون إن كنتم صادقين } والآية في محاجة المشركين ممن اعترف أن له صانعا ، أي أنتم عند الشدائد ترجعون إلى الله ، وسترجعون إليه يوم القيامة أيضا فلم تصرون على الشرك في حال الرفاهية ؟ ! وكانوا يعبدون الأصنام ويدعون الله في صرف العذاب .
ولما كانت هذه الآية - بما فيها من التصريح بالتكذيب - شديدة الاعتناق لقوله{ ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً }[ الأنعام : 21و 39 ] وقوله{ كذبوا بالحق لما جاءهم فسوف يأتيهم أنباؤا }[ الأنعام : 5 ] الآيتين رجع{[29544]} بالذي بعدها إلى فذلكة{[29545]} التفاصيل الماضية وواسطة عقدها وفريدة درها{[29546]} ، وهو التوحيد الذي أبانته الأدلة قبل الآيتين ، فقال دالاً على اعتقادهم القدرة التي استلزم نعتُهم بطلب الآية نفيها{[29547]} ، واعتقادهم للتوحيد في الجملة وهم يكذبون به{[29548]} ، بياناً لأنهم في الظلمات مقهورون بيد المشيئة لعدم تحاشيهم من التناقض معجباً منهم : { قل أرءيتكم } أي أخبروني يا من كذب بالآيات والقدرة{[29549]} عناداً وشهد{[29550]} أن مع الله آلهة أخرى ، وعدل{[29551]} بالله الذي يعلم السر والجهر ، وهو مع من يدعوه في كل سماء وكل أرض بعنايته{[29552]} ونصره .
ولما كانت حقيقة { أرءيتكم } : هل رأيتم أنفسكم ، وكان هذا لكونه سؤالاً عن معلوم لا يجهله أحد - مشيراً{[29553]} إلى أن السؤال عن غيره مما قد يخفى من أحوال النفس ، كان كأنه قيل : عن أيّ أحوال نفوسنا نُسأل ؟ فقيل تنبيهاً لهم على حالة تلزمهم بالتوحيد أو العناد الذي يصير في العلم به كالسؤال عن رؤية النفس سواء : { إن أتاكم } أي قبل مجيء الساعة كما آتى من قبلكم { عذاب الله } أي المستجمع لمجامع العظمة ، فلا يقدر أحد على كشف ما يأتي به { أو أتتكم الساعة } أي القيامة بما فيها من الأهوال .
ولما عجب منهم بما مضى - كما مضى ، قال مجيباً للشرط موبخاً لهم منكراً عليهم عدم استمرارهم على دعائه{[29554]} ولزوم سؤاله وندائه ، ويجوز أن يكون جواب الشرط محذوفاً تقديره : من تدعون ؟ ثم زادهم توبيخاً وتبكيتاً بقوله{[29555]} : { أغير الله } أي الملك الذي له العظمة كلها { تدعون } أي لشدة من تلك الشدائد ، ولا تدعون الله مع ذلك الغير { إن كنتم صادقين * } أي في أن غير الله يغني شيئاً حتى يستحق الإلهية ، وجواب الشرط محذوف تقديره : فادعوا ذلك الغير ، وهذه حجة لا يسعهم{[29556]} معها غيرُ التسليم ، فإن عادتهم{[29557]} كانت مستمرة أنهم إذا اشتد الأمر وضاق الخناق لا يدعون غير الله ولا يوجهون الهمم إلا إليه ، فإن سلكوا سبيل الصدق الذي له ينتحلون وبه يتفاخرون فقالوا : لا ندعو غيره ، فقد لزمتهم الحجة في أنه لا يعدل به شيء ولا شريك له ، وإن عاندوا نطق{[29558]} لسان الحال أنهم على محض الضلال ، وإن سكتوا أثبت عليك الخطاب{[29559]} ، وهي مع ذلك - كما ترى - دليل على ما أخبرت به الآية{[29560]} قبلها من أن الأمر كله لله ، أي إنكم كلكم مشتركون في وضوح الأمر في أنه{[29561]} لا منصرف إلا إليه{[29562]} وقد افترقتم{[29563]} فصدق بعض{[29564]} وكذب آخرون ، فلو أن الأمر موقوف على وضوح الدلالة فقط كان الكل على نهج واحد ، هذا ونقل أبو حيان عن الفراء أنه قال : للعرب في أرأيت لغتان ومعنيان : أحدهما أن تسأل{[29565]} الرجل : أرأيت زيداً{[29566]} ، أي بعينك ، فهذه مهموزة ، وثانيهما أن تقول{[29567]} : أرأيت ، وأنت تريد{[29568]} : أخبرني ، فهاهنا{[29569]} تترك الهمزة إن شئت ، وهو أكثر{[29570]} كلام العرب ، وتومئ{[29571]} إلى ترك الهمزة للفرق بين المعنيين ؛ ثم قال أبو حيان : وكون أرأيت وأرأيتك بمعنى أخبرني{[29572]} نص عليه سيبويه وغيره من أئمة العرب ، وهو تفسير معنى لا تفسير إعراب ، لأن أخبرني{[29573]} يتعدى بعن ، و{[29574]} أرأيت متعد{[29575]} لمفعول به صريح وإلى جملة استفهامية هي في موضع المفعول الثاني ؛ وقال في سورة يونس عليه السلام : تقدم في سورة الأنعام أن العرب تضمن أرأيت معنى أخبرني وأنها تتعدى{[29576]} إذ ذاك إلى مفعولين ، و{[29577]} أن المفعول الثاني أكثر ما يكون جملة استفهام ، ينعقد منها ومما قبلها مبتدأ وخبر ، يقول العرب : أرأيت زيداً ما صنع ؟ المعنى : أخبرني{[29578]} عن زيد ما صنع ! وقبل دخول أرأيت كان الكلام : زيد ما صنع - انتهى .
قلت : وحقيقة المعنى كما مر : هل رأيت زيداً ؟ فلما استفهم عن رؤيته - والمراد الخبر لا البصر - عُلم أن السؤال عن بعض أحواله ، فكأنه قيل : ما له ؟ فقيل : ما صنع ؟ .
قوله تعالى : { قل أرءيتكم إن أتكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صدقين ( 40 ) بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون } التاء في { أرءيتكم } ضمير متصل في موضع رفع فاعل . والكاف والميم لمجرد الخطاب ولا موضع لهما من الإعراب . وقيل : الكاف والميم منصوب بوقوع الرؤية عليهما . والمعنى : أرأيتم أنفسكم والراجح القول الأول وهو أنه لا محل للضمير الثاني – أي الكاف – من الإعراب ، لأنه لو جعل للكاف محل من الإعراب لكان كأن تقول : أرأيت نفسك زيدا ما شأنه ، وهو غير سليم . والصواب القول : أرأيتك زيدا ما شأنه .
والمعنى : قل لهؤلاء الكافرين يا محمد : أخبروني إن أتاكم عذاب الله في الدنيا أو عند قيام الساعة ، هل ترجعون إلى غير الله في رفع ذلك البلاء ، وذلك على سبيل التوبيخ والتقريع .
قال القرطبي في هذا الصدد : أي أنتم عند الشدائد ترجعون إلى الله وسترجعون إليه يوم القيامة أيضا ، فلم تصرون على الشرك في حال الرفاهية ! وكانوا يعبدون الأصنام ويدعون الله في صرف العذاب .