الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَمَا مِن دَآبَّةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا طَـٰٓئِرٖ يَطِيرُ بِجَنَاحَيۡهِ إِلَّآ أُمَمٌ أَمۡثَالُكُمۚ مَّا فَرَّطۡنَا فِي ٱلۡكِتَٰبِ مِن شَيۡءٖۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ يُحۡشَرُونَ} (38)

قوله تعالى :{ وما من دابة في الأرض } تقدم معنى الدابة والقول فيه في " البقرة " {[6330]} وأصله الصفة ، من دب يدب فهو داب إذا مشى مشيا فيه تقارب خطو . { ولا طائر يطير بجناحيه } بخفض " طائر " عطفا على اللفظ . وقرأ الحسن وعبدالله بن إسحاق { ولا طائر } بالرفع عطفا على الموضع ، و( من ) زائدة ، التقدير : { وما دابة } . { بجناحيه } تأكيدا وإزالة للإبهام ، فإن العرب تستعمل الطيران لغير الطائر ، تقول للرجل : طر في حاجتي ، أي أسرع ، فذكر { بجناحيه } ليتمحض القول في الطير ، وهو في غيره مجاز . وقيل : إن اعتدال جسد الطائر بين الجناحين يعينه على الطيران ، ولو كان غير معتدل لكان يميل ، فأعلمنا أن الطيران بالجناحين و{ ما يمسكهن إلا الله } [ النحل : 79 ] . والجناح أحد ناحيتي الطير الذي يتمكن به من الطيران في الهواء ، وأصله الميل إلى ناحية من النواحي ، ومنه جنحت السفينة إذا مالت إلى ناحية الأرض لاصقة بها فوقفت . وطائر الإنسان عمله ، وفي التنزيل { وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه }{[6331]} [ الإسراء : 13 ] . { إلا أمم أمثالكم } أي هم جماعات مثلكم في أن الله عز وجل خلقهم ، وتكفل بأرزاقهم ، وعدل عليهم ، فلا ينبغي أن تظلموهم ، ولا تجاوزوا فيهم ما أمرتم به . و{ دابة } تقع على جميع ما دب ، وخص بالذكر ما في الأرض دون السماء لأنه الذي يعرفونه ويعاينونه . وقيل : هي أمثال لنا في التسبيح والدلالة ؛ والمعنى : وما من دابة ولا طائر إلا وهو يسبح الله تعالى ، ويدل على وحدانيته لو تأمل الكفار . وقال أبو هريرة : هي أمثال لنا على معنى أنه يحشر البهائم غدا ويقتص للجماء من القرناء ثم يقول الله لها : كوني ترابا . وهذا اختيار الزجاج فإنه قال : { إلا أمم أمثالكم } في الخلق والرزق والموت والبعث والاقتصاص ، وقد دخل فيه معنى القول الأول أيضا . وقال سفيان بن عيينة : أي ما من صنف من الدواب والطير إلا في الناس شبه منه ؛ فمنهم من يعدو كالأسد ، ومنهم من يشره كالخنزير ، ومنهم من يعوي كالكلب ، ومنهم من يزهو كالطاوس ، فهذا معنى المماثلة . واستحسن الخطابي هذا وقال : فإنك تعاشر البهائم والسباع فخذ حذرك . وقال مجاهد في قوله عز وجل : { إلا أمم أمثالكم } قال أصناف لهن أسماء تعرف بها كما تعرفون . وقيل غير هذا مما لا يصح من أنها مثلنا في المعرفة ، وأنها تحشر وتنعم في الجنة ، وتعوض من الآلام التي حلت بها في الدنيا وأن أهل الجنة يستأنسون بصورهم ، والصحيح { إلا أمم أمثالكم } في كونها مخلوقة دالة على الصانع محتاجة إليه مرزوقة من جهته ، كما أن رزقكم على الله . وقول سفيان أيضا حسن ، فإنه تشبيه واقع في الوجود .

قوله تعالى : { ما فرطنا في الكتاب من شيء } أي في اللوح المحفوظ فإنه أثبت فيه ما يقع من الحوادث . وقيل : أي في القرآن أي ما تركنا شيئا من أمر الدين إلا وقد دللنا عليه في القرآن ، إما دلالة مبينة مشروحة ، وإما مجملة يتلقى بيانها من الرسول عليه الصلاة والسلام ، أو من الإجماع ، أو من القياس الذي ثبت بنص الكتاب ، قال الله تعالى : " { ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء }{[6332]} " [ النحل :89 ] وقال : { وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم }{[6333]} [ النحل : 44 ] وقال : { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا }{[6334]} " [ الحشر : 7 ] فأجمل في هذه الآية وآية ( النحل ) ما لم ينص عليه مما لم يذكره ، فصدق خبر الله بأنه ما فرط في الكتاب من شيء إلا ذكره ، إما تفصيلا وإما تأصيلا ؛ وقال : { اليوم أكملت لكم دينكم }{[6335]} " [ المائدة : 3 ] .

قوله تعالى : { ثم إلى ربهم يحشرون } أي للجزاء ، كما سبق في خبر أبي هريرة ، وفي صحيح مسلم عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لتؤدن{[6336]} الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء{[6337]} من الشاة القرناء ) . ودل بهذا على أن البهائم تحشر يوم القيامة ، وهذا قول أبي ذر وأبي هريرة والحسن وغيرهم ، وروي عن ابن عباس ، قال ابن عباس في رواية : حشر الدواب والطير موتها ، وقاله الضحاك . والأول أصح لظاهر الآية والخبر الصحيح ، وفي التنزيل { وإذا الوحوش حشرت }{[6338]} " [ التكوير : 5 ] وقول أبي هريرة فيما روى جعفر بن برقان{[6339]} عن يزيد بن الأصم عنه : يحشر الله الخلق كلهم يوم القيامة ، البهائم والدواب والطير وكل شيء ، فيبلغ من عدل الله تعالى يومئذ أن يأخذ للجماء من القرناء ثم يقول : ( كوني ترابا ) فذلك قوله تعالى : { ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا }{[6340]} [ النبأ : 40 ] . وقال عطاء : فإذا رأوا بني آدم وما هم عليه من الجزع قلن : الحمد لله الذي لم يجعلنا مثلكم ، فلا جنة نرجو ولا نار نخاف ، فيقول الله تعالى لهن : ( كن ترابا ) فحينئذ يتمنى الكافر أن يكون ترابا . وقالت جماعة : هذا الحشر الذي في الآية يرجع إلى الكفار وما تخلل كلام معترض وإقامة حجج ، وأما الحديث فالمقصود منه التمثيل على جهة تعظيم أمر الحساب والقصاص والاعتناء فيه حتى يفهم منه أنه لا بد لكل أحد منه ، وأنه لا محيص له عنه ، وعضدوا هذا بما في الحديث في غير الصحيح عن بعض رواته من الزيادة فقال : حتى يقاد للشاة الجلحاء من القرناء ، وللحجر لما ركب على الحجر ، وللعود لما خدش العود ؛ قالوا : فظهر من هذا أن المقصود منه التمثيل المفيد للاعتبار والتهويل ؛ لأن الجمادات لا يعقل خطابها ولا ثوابها ولا عقابها ، ولم يصر إليه أحد من العقلاء ، ومتخيله من جملة المعتوهين الأغبياء . قالوا : ولأن القلم لا يجري عليهم فلا يجوز أن يؤاخذوا .

قلت : الصحيح القول الأول لما ذكرناه من حديث أبي هريرة ، وإن كان القلم لا يجري عليهم في الأحكام ولكن فيما بينهم يؤاخذون به ، وروي عن أبي ذر قال : انتطحت شاتان عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( يا أبا ذر هل تدري فيما انتطحتا ؟ ) قلت : لا . قال : ( لكن الله تعالى يدري وسيقضي بينهما ) وهذا نص ، وقد زدناه بيانا في كتاب ( التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة ) . والله أعلم .


[6330]:راجع ج 2 ص 196.
[6331]:راجع ج 10 ص 151، ص 229.
[6332]:راجع ج 10 ص 164، ص 108.
[6333]:راجع ج 10 ص 164، ص 108.
[6334]:راجع ج 18 ص 17.
[6335]:راجع ص 61 من هذا الجزء.
[6336]:لتؤدن (بفتح الدال المشددة) وفي بعض النسخ بضمها، فالحقوق بالرفع على الأول والنصب على الثاني.
[6337]:الجلحاء: التي لا قرن لها.
[6338]:راجع ج 19 ص 227 و ص 186.
[6339]:برقان (بالكسر والضم). (القاموس).
[6340]:راجع ج 19 ص 227 و ص 186.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَمَا مِن دَآبَّةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا طَـٰٓئِرٖ يَطِيرُ بِجَنَاحَيۡهِ إِلَّآ أُمَمٌ أَمۡثَالُكُمۚ مَّا فَرَّطۡنَا فِي ٱلۡكِتَٰبِ مِن شَيۡءٖۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ يُحۡشَرُونَ} (38)

ولما عجب منهم{[29480]} في قولهم هذا{[29481]} الذي يقتضي أنهم لم يروا له{[29482]} آية قط{[29483]} بعد ما جاءهم من الآيات الخاصة به ما ملأ الأقطار ، ورد إلى الصم الأسماع ، وأنار من العمى الأبصار ؛ ذكرهم بآية غير آية القرآن تشتمل{[29484]} على آيات مستكثرة كافية لصلاحهم ، رتبها{[29485]} سبحانه قبل سؤالهم تفضلاً منه عليهم دالة على باهر قدرته على البعث وغيره من الآيات التي طلبوها وغيرها وعلى تفرده بجميع الأمر ، إذا تأملوها حق تأملها كفتهم{[29486]} في جميع ما يراد منهم فقال تعالى : { وما } أي قالوا ذلك والحال أنه ما ، وهي ناظرة{[29487]} أتم نظر إلى قوله{ هو الذي خلقكم من طين }[ الأنعام : 2 ] أي فعل ذلك بكم{[29488]} وما{[29489]} { من دابة في الأرض } أي تدب أي تنتقل برجل وغير رجل { ولا طائر يطير } وقرر الحقيقة بقوله{[29490]} : { بجناحيه } وشمل ذلك جميع الحيوان حتى ما في البحر ، لأن سيرها في الماء إما أن يكون دبيباً أو طيراناً مجازاً .

ولما كان المراد بالدابة والطائر الاستغراق قال : { إلا أمم }{[29491]} أي يقصد منها في نفسه ، ويقصد هو نوعه وينضم إلى شكله { أمثالكم }{[29492]} } أي في ذلك وفي أنا خلقناكم ولم يكونوا شيئاً وحفظنا جميع أحوالهم ، وقدرنا كل أرزاقهم وآجالهم ، و{[29493]}جعلنا لكم{[29494]} فيهم أحكاماً جددناها لكم ، وجعلنا لكل منهم أجلاً للموت لا يتعداه بعد أن فاوتنا بينهم في الحياة ، وللكل أجل في علمنا في البرزخ مثبت قبل أن نخلقهم ، لا ينقص ذرة ولا يزيد خردلة ، وجعلنا في هذه الحيوانات ما{[29495]} هو أقوى منكم وما هو أضعف ، وجعلناكم أقوى من الجميع بالعقل ، ولو شئنا لجعلنا له بين قوة البدن والعقل ، وربما سلطنا الأضعف{[29496]} عليكم كالجراد والفأر والدود بما تعجز عنه عقولكم ، ولو شئنا لسلطنا عليكم من أضعفها خلقاً - البعوض - ما أخذ بأنفاسكم{[29497]} ومنعكم القرار وأخرجكم{[29498]} عن حركات الاختيار إلى أن أهلككم جميعاً هلاك نفس واحدة - إلى غير ذلك من أمور تكل عنها العقول{[29499]} وتقف دونها نوافذ الفكر ، وهذا كله معنى قوله : { ما فرطنا } أي تركنا وأغفلنا لما لنا من القدرة الكاملة{[29500]} والعلم الشامل { في الكتاب } أي اللوح المحفوظ والقرآن ، وأعرق في النفي بقوله : { من شيء } أي ليذهب ذكره كما يذهب العقد الذي ينقطع سلكه فيتفرط ، بل ذكرنا جميع أحوال خلقنا من الجن والإنس والملائكة وغيرهم من كل ناطق وصامت ، فصارت في غاية الضبط حتى أن الحفظة يعرضون ما يحدث من عمل المكلفين وغيره{[29501]} آخر النهار{[29502]} على ما كان مثبتاً في أم الكتاب فيجدونه كما هو ، لا يزيد شيئاً ولا ينقص ، فيزدادون إيماناً ، وأثبتنا في هذا القرآن مجامع الأمور ، فهو تبيان لكل شيء من الأحكام الأصلية والفرعية و{[29503]} الدلالات على كل ذلك وأخبار الأولين والآخرين وكل علم يمكن أن يحتاجه المخلوق ، فمن أراد الهداية هداه بدقيق{[29504]} أسراره ، ومن أعرض أوقعه في الردى ، وعمي حتى عن{[29505]} واضح{[29506]} أنواره ، والآية كما قال تعالى { إن في خلق السماوات والأرض } إلى أن قال : وبث فيها{[29507]} من كل دابة - لآيات لقوم يعقلون{[29508]} }[ البقرة : 164 ] .

وفي كل شيء له آية *** تدل على أنه واحد

أفلا يكون لكم في ذلك آيات تغنيكم{[29509]} عن إرسال الرسل فضلاً عن أن تتوقفوا{[29510]} بعد إرسالهم ولا ترضوا{[29511]} منهم من خوارق العادات إلا بما تقترحونه . {[29512]}

ولما أشار إلى ما شارك فيه سائر الحيوان للآدميين{[29513]} من أحوال الحياة وغيرها ، نص على الحشر الذي هو محط الحكمة فقال : { ثم } أي بعد طول الحياة والإقامة في البرزخ { إلى ربهم } أي خاصة ، وبني{[29514]} للمفعول على طريق كلام القادرين قوله{[29515]} : { يحشرون * } أي يجمعون كرهاً{[29516]} بعد أن يعيدهم كلهم كما بدأهم ، وينصف كل مظلوم منهم من ظالمه ، كل ذلك عليه{[29517]} هيّن{[29518]}{ ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة{[29519]} }[ لقمان : 28 ] والكل محفوظون في كتاب مبين{[29520]} على اختلاف أنواعهم{[29521]} وتباين حقائقهم وأشخاصهم وزيادتهم في الجد على أن يوجه{[29522]} نحوهم العد - سبحان من أحاط بكل شيء علماً ، وأحصى كل شيء عدداً ، إن ذلك على الله يسير ، وهو على كل شيء قدير .


[29480]:في ظ: هو.
[29481]:في ظ: هو.
[29482]:زيد من ظ.
[29483]:من ظ، وفي الأصل: فقط.
[29484]:في الأصل: يشتمل، وفي ظ: مشتمل.
[29485]:من ظ، وفي الأصل: وبها.
[29486]:في ظ: كثير.
[29487]:زيد بعده في ظ: إلى.
[29488]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[29489]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[29490]:سقط من ظ.
[29491]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[29492]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[29493]:في ظ: جعلناكم.
[29494]:في ظ جعلناكم.
[29495]:في ظ: مما.
[29496]:تكرر في ظ.
[29497]:من ظ، وفي الأصل: نانفايسكم- كذا.
[29498]:في ظ: أخركم.
[29499]:من ظ، وفي الأصل: القول.
[29500]:سقط من ظ.
[29501]:من ظ، وفي الأصل: حر البها- كذا.
[29502]:من ظ، وفي الأصل: حر البها- كذا.
[29503]:زيد من ظ.
[29504]:في ظ: بتوفيق.
[29505]:سقط من ظ.
[29506]:من ظ، وفي الأصل: واضع.
[29507]:في ظ: فيهما.
[29508]:سورة 2 آية 164.
[29509]:من ظ، وفي الأصل: تعينكم.
[29510]:في الأصل و ظ: يتوقفوا.
[29511]:من ظ، وفي الأصل: لا تعرضوا.
[29512]:في الأصل: يفرحونه، وفي ظ: يقترحونه- كذا.
[29513]:في ظ: الآدميين.
[29514]:في ظ: بناه- كذا.
[29515]:زيد من ظ.
[29516]:في الأصل و ظ: يتوقفوا.
[29517]:زيد من ظ.
[29518]:من ظ، وفي الأصل: حين.
[29519]:سورة 31 آية 28.
[29520]:من ظ، وفي الأصل: بين.
[29521]:من ظ، وفي الأصل: أنواعكم.
[29522]:من ظ، وفي الأصل: يوجد.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَمَا مِن دَآبَّةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا طَـٰٓئِرٖ يَطِيرُ بِجَنَاحَيۡهِ إِلَّآ أُمَمٌ أَمۡثَالُكُمۚ مَّا فَرَّطۡنَا فِي ٱلۡكِتَٰبِ مِن شَيۡءٖۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ يُحۡشَرُونَ} (38)

قوله : { وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثلكم } الدابة : كل شيء ماش على الأرض . من دب يدب دبيبا . أي سار سيرا لينا{[1158]} وهذا الكلام مستأنف قد سيق لبيان كمال قدرة الله تعالى وحسن تدبيره وحكمته وإحاطة علمه الذي يشمل الأشياء والكائنات جميعا . وهو برهان قائم ظاهر آخر يكشف عن عظمة الله وعن قدرته البالغة وعن صدق نبوة هذا المبعوث الكريم . وذلكم البرهان هو أنه ما من دابة على اختلاف أنواعها ، إذ تمشي على الأرض ، ولا طائر يجوب الفضاء وهو يطير بجناحيه سابحا مطوحا في جو السماء { إلا أمم أمثلكم } أي هي جماعات مختلفة من أنواع الدواب والطيور كأمثالكم في أن الله خلقهم وتكفل بأرزاقهم . فما تركهم سائبين هملا من غير عناية . وهم كذلك أمثالكم في الجريان على سنن الله وعلى تدبيره الرباني السديد ، فضلا عن كونها دائمة التسبيح بحمد الله . وفي ذلك من الدلالة البلجة على عظمة الصانع وعلى وحدانيته ما يستنفر العقول للتفكر والإدكار .

قوله : { ما فرطنا في الكتب من شيء } التفريط : التقصير والتضييع والإغفال{[1159]} والمراد بالكتاب فيه وجهان : أحدهما : أنه اللوح المحفوظ . فقد أثبت الله فيه علم الأولين والآخرين وكتب فيه كل ما يقع من حوادث منذ الأزل البعيد حتى الأبد الأبيد .

ثانيهما : أنه القرآن . وهو الراجح والأولى . لأن الألف واللام إذا دخلا على الاسم المفرد انصرف إلى المعهود السابق . والمعهود من الكتاب عند المسلمين هو القرآن . فوجب أن يكون المراد من الكتاب في هذه الآية القرآن{[1160]} فقد بين الله في هذا الكتاب الحكيم كل ما يحتاج إليه العباد من أمر الدين والدنيا مما ينفعهم ويكفل لهم الحياة الكريمة والعيش الآمن .

على أن ما حواه القرآن من بيان لمشكلات العباد ومصالحهم جاء إما مفصلا ، وإما مجملا فما كان مفصلا جاء مبينا مستفيضا ومشروحا . وما كان مجملا فهو المثابة لأمهات القضايا في العقيدة والتشريع والكون وحياة الإنسان مما يتضح عن طريق السنة والإجماع أو القياس أو النظر . وقوله : { من شيء } من ، زائدة . كقوله : ما جاء من أحد . أي ما جاء أحد . وقيل : من للتبعيض . فالمعنى : ما فرطنا في الكتاب بعض شيء يحتاج إليه المكلف . قوله : { ثم إلى ربهم يحشرون } في المراد بالحشر هنا قولان : أحدهما : أن الحشر هنا مراد به الموت . فالله تعالى يحشر الدواب والطير بموتها .

وثانيهما : أن المراد بالحشر الجمع لبعث الساعة . وقيام القيامة . إذ يحشر الله الخلق كلهم يوم القيامة سواء فيهم البهائم والدواب والطير وكل شيء ثم يقضي الله بينهم جميعا بالعدل حتى يبلغ عدل الله في ذلك يومئذ مبلغه . فيأخذ للجماء ، وهي عديمة القرن ، من القرناء ، وهي ذات القرن . ثم يقول لها جميعا : كوني ترابا . ومن أجل ذلك يقول الكافر ، إذ يرى ذلك : { يا ليتني كنت ترابا } وفي ذلك أخرج مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء{[1161]} من الشاة القرناء " ويدل ذلك على أن البهائم تحشر يوم القيامة . وهذا القول أصح ، لقوله تعالى : { وإذا الوحوش حشرت } .


[1158]:- المصباح المنير ج 1 ص 200 ومختار الصحاح 197.
[1159]:- مختار الصحاح ص 198.
[1160]:- تفسير الرازي ج 12 ص 226.
[1161]:- الجلحاء: التي لا قرن لها. والجمع جلح، بوزن سكر. انظر القاموس المحيط ج 1 ص 226.