قوله تعالى : " لا يزال بنيانهم الذي بنوا " يعني مسجد الضرار . " ريبة " أي شكا في قلوبهم ونفاقا ، قاله ابن عباس وقتادة والضحاك . وقال النابغة :
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة*** وليس وراء الله للمرء مذهب
وقال الكلبي : حسرة وندامة ؛ لأنهم ندموا على بنيانه . وقال السدي وحبيب والمبرد : " ريبة " أي حزازة وغيظا . " إلا أن تقطع قلوبهم " قال ابن عباس : أي تنصدع قلوبهم فيموتوا ، كقوله : " لقطعنا منه الوتين{[8309]} " [ الحاقة : 46 ] لأن الحياة تنقطع بانقطاع الوتين{[8310]} ؛ وقاله قتادة والضحاك ومجاهد . وقال سفيان : إلا أن يتوبوا . عكرمة : إلا أن تقطع قلوبهم في قبورهم ، وكان أصحاب عبدالله بن مسعود يقرؤونها : " ريبة في قلوبهم ولو تقطعت قلوبهم " . وقرأ الحسن ويعقوب وأبو حاتم " إلى أن تقطع " على الغاية ، أي لا يزالون في شك منه إلى أن يموتوا فيستيقنوا ويتبينوا . واختلف القراء في قوله " تقطع " فالجمهور " تقطع " بضم التاء وفتح القاف وشد الطاء على الفعل المجهول . وقرأ ابن عامر وحمزة وحفص ويعقوب كذلك إلا أنهم فتحوا التاء . وروي عن يعقوب وأبي عبدالرحمن " تقطع " على الفعل المجهول مخفف القاف . وروي عن شبل وابن كثير " تقطع " خفيفة القاف " قلوبهم " نصبا ، أي أنت تفعل ذلك بهم . وقد ذكرنا قراءة أصحاب عبدالله . " والله عليم حكيم " تقدم{[8311]} .
ولما كان ما تقدم غير قاطع في إخرابه لما ثبت للمساجد من الحرمة ، استأنف الإخبار عن أنه لا يعد في عداد المساجد بوجه ، وإنما هو في عداد بيوت الأصنام فهو واجب الإعدام فقال : { لا يزال بنيانهم } أي نفس المبنى وهو المسجد { الذي بنوا ريبة } أي شكاً ونفاقاً { في قلوبهم } كما أن بيوت الأصنام كذلك لأهلها ، فكان ذلك حثاً على إخرابه ومحوه وقطع أثره . والمعنى أنه جامع لهم على الريبة في كل زمان يمكن أن يكون { إلا أن } ولما كان القطع محصلاً للمقصود من غير نظر إلى قاطع معين ، قال بانياً للمفعول : { تقطع قلوبهم } أي إلا زمان يوجد فيه القطع البليغ الكثير لقلوبهم وعزائمهم ويباعد بينهم ويفرق شملهم بإخراجه ، وقراءة يعقوب ب " إلى " الجارة واضحة في المراد ، أو يكون المراد أنه لايزال حاملاً لهم{[37218]} على التصميم على النفاق إلى أن يموتوا ، فهو كناية عن عدم توبتهم .
ولما كان التقدير : فالله عليم بما أخبركم به فلا تشكوا فيه ، عطف عليه تعميماً للحكم وتعظيماً{[37219]} للأمر قوله : { والله } أي الذي له الإحاطة بكل شيء { عليم } أي بالغ العلم بكل معلوم { حكيم* } فهو يتقن ما يأمر به .
قوله : { لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم } أي لا يزال ما صنعوه من نفاق وباطل مبعث ريبة لهم فتظل تراودهم بغير مباحة . والريبة تعم جملة معان ليصيب كل منافق منها بحسب نفاقه من حيث نوعه ومستواه وقدره . ومن معاني الريبة : كل من الشك والاضطراب والحزازة والحسرة والقلق والخوف من سوء المصير ، وذلك على طريقة القرآن في ألفاظه الكبيرة ؛ إذ تتزاحم فيها المعاني تزاحما ليضم الواحد منها جملة معان . لا جرم أن ذلك وجه من وجوه الإعجاز في هذا الكتاب الحكيم .
قوله : { ألا تقطع قلوبهم } أي لا يزال ما صنعوه من النفاق وابتغاء الشر بالمسلمين مبعث ريبة لهم في كل الأوقات والأحوال ، فلا تبرحهم ما داموا أحياء { إلا أن تقطع قلوبهم } وذلك أن يموتوا ؛ إذ تتفرق أبدانهم وجسومهم ، وقيل : إلا أن يغالوا في الندامة فتتفتت قلوبهم كناية أو مجاز عن شدة الأسف والحسرة .
قوله : { والله عليم حكيم } عليم بما صنعه هؤلاء المنافقون المفسدون وما قصدوه من المكر والأذية للمسلمين . وهو سبحانه حكيم ، فيما أعده لهم من الجزاء في هذه الدنيا حيث الشك والقلق واضطراب النفس والخوف . وكذلك في الآخرة حيث النار{[1906]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.