قوله تعالى : " ولقد صرفنا " أي بينا . وقيل كررنا . { في هذا القرآن } قيل : " في " زائدة ، والتقدير : ولقد صرفنا هذا القرآن ، مثل : { وأصلح لي في ذريتي }{[10247]} أي أصلح ذريتي . والتصريف : صرف الشيء من جهة إلى جهة . والمراد بهذا التصريف البيان والتكرير . وقيل : المغايرة ، أي غايرنا بين المواعظ ليذكروا ويعتبروا ويتعظوا . وقراءة العامة " صرفنا " بالتشديد على التكثير حيث وقع . وقرأ الحسن بالتخفيف . قال الثعلبي : سمعت أبا القاسم الحسين يقول بحضرة الإمام الشيخ أبي الطيب : لقوله تعالى : " صرفنا " معنيان : أحدهما لم يجعله نوعا واحدا بل وعدا ووعيدا ومحكما ومتشابها ونهيا وأمرا وناسخا ومنسوخا وأخبارا وأمثالا ، مثل تصريف الرياح من صبا ودبور وجنوب وشمال ، وصريف الأفعال من الماضي والمستقبل والأمر والنهي والفعل والفاعل والمفعول ونحوها . والثاني : أنه لم ينزل مرة واحدة بل نجوما ، نحو قوله " وقرآنا فرقناه{[10248]} " [ الإسراء : 106 ] ومعناه : أكثرنا صرف جبريل عليه السلام إليك . وقوله " في هذا القرآن " قيل " في " زائدة ، والتقدير : ولقد صرفنا هذا القرآن ، مثل " وأصلح لي في ذريتي " [ الأحقاف : 15 ] أي أصلح ذريتي . وقوله " في هذا القرآن " يعني الأمثال والعبر والحكم والمواعظ والأحكام والإعلام .
قوله تعالى : " ليذكروا " قراءة يحيى والأعمش وحمزة والكسائي " ليذكروا " مخففا ، وكذلك في الفرقان " ولقد صرفناه بينهم ليذكروا{[10249]} " [ الفرقان :50 ] . الباقون بالتشديد . واختاره أبو عبيد ؛ لأن معناه ليتذكروا وليتعظوا . قال المهدوي : من شدد " ليذكروا " أراد التدبر . وكذلك من قرأ " ليذكروا " . ونظير الأول " ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون{[10250]} " [ القصص : 51 ] والثاني : " واذكروا ما فيه{[10251]} " [ البقرة : 63 ]
قوله تعالى : " وما يزيدهم " أي التصريف والتذكير .
قوله تعالى : " إلا نفورا " أي تباعدا عن الحق وغفلة عن النظر والاعتبار ، وذلك لأنهم اعتقدوا في القرآن أنه حيلة وسحر وكهانة وشعر .
ولما كان في هذا من البيان ما لا يخفى على الإنسان ولم يرجعوا ، أشار إلى أن لهم أمثال هذا الإعراض عن أمثال هذا البيان فقال تعالى : { ولقد صرفنا } أي طرقنا تطريقاً عظيماً بأنواع طرق البيان من العبر والحكم ، والأمثال والأحكام ، والحجج والأعلام ، في قوالب الوعد والوعيد ، والأمر والنهي ، والمحكم والمتشابه - إلى غير ذلك { في هذا القرءان } من هذه الطرق ما لا غبار عليه ، ونوعناه من جهة إلى جهة ، ومن مثال إلى مثال ؛ والتصريف لغة : صرف الشيء من جهة إلى أخرى ، ثم صار كناية عن التبيين - قاله أبو حيان .
ولما كان ذلك مركوزاً في الطباع ، وله في العقول أمثال تبرز عرائسها من خدورها بأدنى التفات من النفس ، سمي الوعظ بها تذكيراً بما هو معلوم فقال تعالى : { ليذكروا } أي نوعاً من التذكير - بما أشار إليه الإدغام ، فإنه سبحانه كريم يرضى باليسير - هذا في قراءة الجماعة ، وقرأ حمزة والكسائي بإسكان الذال وضم الكاف إشارة إلى أن جميع ما في القرآن لا يخرج شيء منه عن العقل ، بل هو مركوز في الطباع ، وله شواهد في الأنفس والآفاق ، يستحضرها الإنسان بأدنى إشارة وأيسر تنبيه ، إذا أزيل عنها ما سترها عن العقل من الحظوظ والشواغل ، وأتبعه قوله تعالى معجباً منهم : { وما يزيدهم } التصريف { إلا نفوراً * } عن السماع فضلاً عن التذكر ، لاعتقادهم أن ذلك ليس ببراهين ، بل هو شبه وخيل إلى صرفهم عما هم فيه مما ألفوه وتلقوه عن آبائهم وتمادت عليهم الدهور في اعتقاد كونه حقاً ،
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.