الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلۡفَٰحِشَةُ فِي ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ} (19)

الثامنة عشرة-قوله تعالى : " إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة " أي تفشو ، يقال : شاع الشيء شيوعا وشيعا وشيعانا وشيوعه ، أي ظهر وتفرق . " في الذين آمنوا " أي في المحصنين والمحصنات . والمراد بهذا اللفظ العام عائشة وصفوان رضي الله عنهما . والفاحشة : الفعل القبيح المفرط القبح . وقيل : الفاحشة في هذه الآية القول السيء . " لهم عذاب أليم في الدنيا " أي الحد . وفي الآخرة عذاب النار ، أي للمنافقين ، فهو مخصوص . وقد بينا أن الحد للمؤمنين كفارة . وقال الطبري : معناه إن مات مصرا غير تائب .

التاسعة عشرة-قوله تعالى : " والله يعلم " أي يعلم مقدار عظم هذا الذنب والمجازاة عليه ويعلم كل شيء . " وأنتم لا تعلمون " روي من حديث أبي الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( أيما رجل شد عضد امرئ من الناس في خصومة لا علم له بها فهو في سخط الله حتى ينزع عنها . وأيما رجل قال بشفاعته دون حد من حدود الله أن يقام فقد عاند الله حقا وأقدم على سخطه وعليه لعنة الله تتابع إلى يوم القيامة . وأيما رجل أشاع عل رجل مسلم كلمة وهو منها بريء يرى أن يشينه بها في الدنيا كان حقا على الله تعالى أن يرميه بها في النار - ثم تلا مصداقه من كتاب الله تعالى : " إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا " الآية .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلۡفَٰحِشَةُ فِي ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ} (19)

ولما كان من أعظم الوعظ بيان ما يستحق على الذنب من العقاب ، أدبهم تأديباً ثالثاً أشد من الأولين ، فقال واعظاً ومقبحاً لحال الخائضين في الإفك ومحذراً ومهدداً : { إن الذين يحبون } عبر بالحب إشارة إلى أنه لا يرتكب هذا مع شناعته إلا محب له ، ولا يحبه إلا بعيد عن الاستقامة { أن تشيع } أي تنتشر بالقول أو بالفعل { الفاحشة } أي الفعلة الكبيرة القبح ، ويصير لها شيعة يحامون عليها { في الذين آمنوا } ولو كانوا في أدنى درجات الإيمان فكيف بمن تسنم ذروته ، وتبوأ غايته { لهم عذاب أليم } ردعاً لهم عن إرادة إشاعة مثل ذلك لما فيه من عظيم الأذى { في الدنيا } بالحد وغيره مما ينتقم الله منهم به { والآخرة } فإن الله يعلم هل كفر الحد عنهم جميع مرتكبهم أم لا { والله } أي المستجمع لصفات الجلال والجمال { يعلم } أي له العلم التام ، فهو يعلم مقادير الأشياء ما ظهر منها وما بطن وما الحكمة في ستره أو إظهاره أو غير ذلك من جميع الأمور { وأنتم لا تعلمون* } أي ليس لكم علم من أنفسكم فاعملوا بما علمكم الله ، ولا تتجاوزوه تضلوا .