الأولى-قوله تعالى : " المحصنات " تقدم في " النساء " {[11852]} . وأجمع العلماء على أن حكم المحصنين في القذف كحكم المحصنات قياسا واستدلالا ، وقد بيناه أول السورة والحمد لله . واختلف فيمن المراد بهذه الآية ، فقال سعيد بن جبير : هي في رماة عائشة رضوان الله عليها خاصة . وقال قوم : هي في عائشة وسائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، قاله ابن عباس والضحاك وغيرهما . ولا تنفع التوبة . ومن قذف غيرهن من المحصنات فقد جعل الله له توبة ؛ لأنه قال : " والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء - إلى قوله - إلا الذين تابوا " فجعل الله لهؤلاء توبة ، ولم يجعل لأولئك توبة ، قاله الضحاك . وقيل هذا الوعيد لمن أصر على القذف ولم يتب . وقيل : نزلت في عائشة ، إلا أنه يراد بها كل من اتصف بهذه الصفة . وقيل : إنه عام لجميع الناس القذفة من ذكر وأنثى ، ويكون التقدير : إن الذين يرمون الأنفس المحصنات ، فدخل في هذا المذكر والمؤنث ، واختاره النحاس . وقيل : نزلت في مشركي مكة ؛ لأنهم يقولون للمرأة إذا هاجرت إنما خرجت لتفجر .
الثانية-قوله تعالى : " لعنوا في الدنيا والآخرة " قال العلماء : إن كان المراد بهذه الآية المؤمنين من القذفة ، فالمراد باللعنة الإبعاد وضرب الحد واستيحاش المؤمنين منهم وهجرهم لهم ، وزوالهم عن رتبه العدالة والبعد عن الثناء الحسن على ألسنة المؤمنين . وعلى قول من قال : هي خاصة لعائشة تترتب هذه الشدائد في جانب عبد الله بن أبيّ وأشباهه . وعلى قول من قال : نزلت في مشركي مكة فلا كلام ، فإنهم مبعدون ، ولهم في الآخرة عذاب عظيم ، ومن أسلم فالإسلام يجب ما قبله . وقال أبو جعفر النحاس : من أحسن ما قيل في تأويل هذه الآية إنه عام لجميع الناس القذفة من ذكر وأنثى ، ويكون التقدير : إن الذين يرمون الأنفس المحصنات ، فدخل في هذا المذكر والمؤنث ، وكذا في الذين يرمون ، إلا أنه غلب المذكر على المؤنث .
ولما كان الختم بهذين الوصفين بعد الأمر بالعفو ربما جرّأ على مثل هذه الإساءة ، وصل به مرهباً من الوقوع في مثل ذلك قوله معمماً للحكم : { إن الذين يرمون } أي بالفاحشة { المحصنات } أي اللائي جعلن أنفسهن من العفة في مثل الحصن . ولما كان الهام بالسيىء والمقدم عليه عالماً بما يرمي به منه ، جاعلاً له نصب عينه ، أكد معنى الإحصان بقوله : { الغافلات } أي عن السوء حتى عن مجرد ذكره . ولما كان وصف الإيمان حاملاً على كل خير ومانعاً من كل سوء ، نبه على أن الحامل على الوصفين المتقدمين إنما هو التقوى ، وصرف ما لهن من الفطنة إلى ما لله عليهن من الحقوق فقال : { المؤمنات } .
ولما ثبت بهذه الأوصاف البعد عن السوء ، ذكر جزاء القاذف كفّاً عنه وتحذيراً منه بصيغة المجهول ، لأن المحذور اللعن لا كونه من معين ، وتنبيهاً على وقوع اللعن من كل من يتأتي منه فقال : { لعنوا } أي أبعدوا عن رحمة الله ، وفعل معهم فعل المبعد من الحد وغيره { في الدنيا والآخرة } ثم زاد في تعظيم القذف لمن هذه أوصافها فقال : { ولهم } أي في الآخرة { عذاب عظيم* } وقيد بوصف الإيمان لأن قذف الكافرة وإن كان محرماً ليس فيه هذا المجموع ، وهذا الحكم وإن كان عاماً فهو لأجل الصديقة بالذات وبالقصد الأول وفيما فيه من التشديد الذي قل أن يوجد مثله في القرآن من الإعلام بعلي قدرها ، وجلي أمرها ، في عظيم فخرها ، ما يجل عن الوصف ؛
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.