الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَن يُوقِعَ بَيۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ فِي ٱلۡخَمۡرِ وَٱلۡمَيۡسِرِ وَيَصُدَّكُمۡ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلَوٰةِۖ فَهَلۡ أَنتُم مُّنتَهُونَ} (91)

الرابعة عشرة : قوله تعالى : " إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر " الآية . أعلم الله تعالى عباده أن الشيطان إنما يريد أن يوقع العداوة والبغضاء{[5928]} بيننا بسبب الخمر وغيره ، فحذرنا منها ، ونهانا عنها . روي أن قبيلتين من الأنصار شربوا الخمر وانتشوا ، فعبث بعضهم ببعض ، فلما صحوا رأى بعضهم في وجه بعض آثار ما فعلوا ، وكانوا إخوة ليس في قلوبهم ضغائن ، فجعل بعضهم{[5929]} يقول : لو كان أخي بي رحيما ما فعل بي هذا ، فحدثت بينهم الضغائن ، فأنزل الله : " إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء " الآية .

الخامسة عشرة : قوله تعالى : " ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة " يقول : إذا سكرتم لم تذكروا الله ولم تصلوا ، وإن صليتم خلط عليكم كما فعل بعلي . وروي : بعبدالرحمن كما تقدم في " النساء " {[5930]} . وقال عبيدالله بن عمر : سئل القاسم بن محمد عن الشطرنج أهي ميسر ؟ وعن النرد أهو ميسر ؟ فقال : كل ما صد عن ذكر الله وعن الصلاة فهو ميسر . قال أبو عبيد : تأول قوله تعالى : " ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة " .

السادسة عشرة : قوله تعالى : " فهل أنتم منتهون " لما علم عمر رضي الله عنه أن هذا وعيد شديد زائد على معنى انتهوا قال : انتهينا . وأمر النبي صلى الله عليه وسلم مناديه أن ينادي في سكك المدينة ، ألا إن الخمر قد حرمت ، فكسرت الدنان ، وأريقت الخمر حتى جرت في سكك المدينة .


[5928]:في ج و ك: بيننا.
[5929]:في ج و ع: الرجل.
[5930]:راجع ج 5 ص 200.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَن يُوقِعَ بَيۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ فِي ٱلۡخَمۡرِ وَٱلۡمَيۡسِرِ وَيَصُدَّكُمۡ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلَوٰةِۖ فَهَلۡ أَنتُم مُّنتَهُونَ} (91)

ولما كانت حكمة النهي عن الأنصاب والأزلام قد تقدمت في أول السورة ، وهي أنها فسق ، اقتصر على بيان علة النهي عن الخمر والميسر إعلاماً بأنهما المقصودان بالذات ، وإن كان الآخرينَ ما ضما{[27581]} إلا لتأكيد تحريم هذين - كما تقدم ، لأن المخاطب أهل الإيمان ، وقد كانوا مجتنبين لذينك ، فقال مؤكداً لأن الإقلاع عما حصل التمادي في المرون عليه يحتاج{[27582]} إلى مثل ذلك : { إنما يريد الشيطان } أي بتزيين الشرب والقمار لكم { أن يوقع بينكم العداوة } .

ولما كانت العداوة قد تزول أسبابها ، ذكر ما ينشأ عنها مما إذا{[27583]} استحكم تعسر{[27584]} أو تعذر زواله ، فقال : { والبغضاء في الخمر والميسر } أي تعاطيهما لأن الخمر تزيل العقل ، فيزول المانع من إظهار الكامن من الضغائن والمناقشة والمحاسدة ، فربما أدى ذلك إلى حروب طويلة وأمور مهولة ، والميسر يذهب المال فيوجب ذلك الإحنة على من سلبه ماله ونغص عليه أحواله{[27585]} .

ولما ذكر ضررهما في الدنيا ، ذكر ضررهما في الدين فقال : { ويصدكم عن ذكر الله } أي الملك الأعظم الذي لا إله لكم{[27586]} غيره ولا كفوء له ، وكرر الجار تأكيداً{[27587]} للأمر وتغليظاً{[27588]} في التحذير فقال : { وعن الصلاة } أما في الخمر فواضح ، وأما في الميسر فلأن الفائز{[27589]} ينسى ببطر{[27590]} الغلبة ، والخائب{[27591]} مغمور بهمه ، وأعظم التهديد بالاستفهام والجملة الاسمية الدالة على الثبات بعد التأكيد بالحصر والضم إلى فعل الجاهلية وبيان الحِكَم الداعية إلى الترك والشرور{[27592]} المنفرة عن الفعل فقال : { فهل أنتم منتهون * } أي قبل أن يقع بكم ما لا تطيقون .


[27581]:في ظ: هما.
[27582]:في ظ: محتاج.
[27583]:سقط من ظ.
[27584]:في ظ: بعسر.
[27585]:زيد ما بين الحاجزين من ظ.
[27586]:زيد ما بين الحاجزين من ظ.
[27587]:في ظ: لأمر وتعظيما.
[27588]:في ظ: لأمر وتعظيما.
[27589]:في الأصل: ينس ببطر، وفي ظ: ينسى ببظر- كذا.
[27590]:في الأصل: ينس ببطر، وفي ظ: ينسى ببظر- كذا.
[27591]:في الأصل: الجانب، وفي ظ: الجابت- كذا.
[27592]:في ظ: النشرو- كذا.