ويقال : ذرأ يذرأ ذرءا ، أي خلق . وفي الكلام حذف واختصار{[6732]} ، وهو وجعلوا لأصنامهم نصيبا ، دل عليه ما بعده . وكان هذا مما زينه الشيطان وسوله لهم ، حتى{[6733]} صرفوا من ماله طائفة إلى الله بزعمهم وطائفة إلى أصنامهم ، قاله ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة . والمعنى متقارب . جعلوا لله جزءا ولشركائهم جزءا ، فإذا ذهب ما لشركائهم بالإنفاق عليها وعلى سدنتها عوضوا منه ما لله ، وإذا ذهب ما لله بالإنقاق على الضيفان والمساكين لم يعوضوا منه شيئا ، وقالوا : الله مستغن عنه وشركاؤنا فقراء . وكان هذا من جهالاتهم وبزعمهم . والزعم الكذب . قال شريح القاضي : إن لكل شيء كنية وكنية الكذب زعموا . وكانوا يكذبون في هذه الأشياء لأنه لم ينزل بذلك شرع . وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال : من أراد أن يعلم جهل العرب ، فليقرأ ما فوق الثلاثين والمائة من سورة الأنعام إلى قوله : " قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم " [ الأنعام : 140 ] . قال ابن العربي : وهذا الذي قاله كلام صحيح ، فإنها تصرفت بعقولها العاجزة في تنويع الحلال والحرام سفاهة بغير معرفة ولا عدل ، والذي تصرفت بالجهل فيه من اتخاذ الآلهة أعظم جهلا وأكبر جرما ، فإن الاعتداء على الله تعالى أعظم من الاعتداء على المخلوقات . والدليل في أن الله واحد في ذاته واحد في صفاته واحد في مخلوقاته أبين وأوضح من الدليل على أن هذا حلال وهذا حرام . وقد روي أن رجلا قال لعمرو بن العاص : إنكم على كمال عقولكم ووفور أحلامكم عبدتم الحجر ! فقال عمرو : تلك عقول كادها باريها . فهذا الذي أخبر الله سبحانه من سخافة العرب وجهلها أمر أذهبه الإسلام ، وأبطله الله ببعثة الرسول عليه السلام . فكان من الظاهر لنا أن نميته حتى لا يظهر ، وننساه حتى لا يذكر ، إلا أن ربنا تبارك وتعالى ذكره بنصه وأورده بشرحه ، كما ذكر كفر الكافرين به . وكانت الحكمة في ذلك - والله أعلم - أن قضاءه قد سبق ، وحكمه قد نفذ بأن الكفر والتخليط لا ينقطعان إلى يوم القيامة . وقرأ يحيى بن وثاب والسلمي والأعمش والكسائي " بزعمهم " بضمه الزاي . والباقون بفتحها ، وهما لغتان . " فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله " أي إلى المساكين . " ساء ما يحكمون " أي ساء الحكم حكمهم . قال ابن زيد : كانوا إذا ذبحوا ما لله ذكروا عليه اسم الأوثان ، وإذا ذبحوا ما لأوثانهم لم يذكروا عليه اسم الله ، فهذا معنى " فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله " . فكان تركهم لذكر الله مذموما منهم وكان داخلا في ترك أكل ما لم يذكر اسم الله عليه .
ولما تمت هذه الآيات من{[31321]} قبح طريقتهم في{[31322]} إنكار البعث وحسن طريقة الإسلام على هذا الأسلوب البديع والمثال البعيد المنال{[31323]} الرفيع وختمت{[31324]} بحال الظالم ، شرع في تفصيل قوله{ أغير الله أتخذ ولياً فاطر السماوات والأرض }[ الأنعام : 14 ] على أسلوب آخر ابتدأه ببيان ظلمهم وجهالاتهم{[31325]} وأباطيلهم تنبيهاً على سخافة عقولهم{[31326]} تنفيراً عنهم بوضعهم الأشياء في غير مواضعها وإخراجها عمن هي له ونسبتها إلى من لا يملك{[31327]} شيئاً وقتل الأولاد وتسييب{[31328]} الأنعام وغير ذلك ، فقال عاطفاً على{ وجعلوا لله شركاء الجن }[ الأنعام : 100 ] : { وجعلوا } أي المشركون العادلون بربهم الأوثان { لله } أي الملك الأعلى الذي لا كفوء له { مما ذرأ } أي خلق وأنشأ وبث{[31329]} ولم يشركه في خلقه أحد { من الحرث والأنعام نصيباً } أي وجعلوا لشركائهم نصيباً ؛ ولما كان{[31330]} الجعل لا يعرف إلا بالقول ، سبب عنه قوله : { فقالوا } أي{[31331]} بألسنتهم بعد أن قالوا بأفئدتهم { هذا لله } أي الملك الأعلى { بزعمهم } أي ادعائهم الباطل وتصرفهم بكذب ادعائهم التخصيص بالله ، ولذا أسقط الزعم من قوله : { وهذا لشركائنا } أي وليس لهم سند في هذه القسمة إلا أهواؤهم .
ولما كان هذا سفهاً بتسويتهم من لا يملك شيئاً بمن يملك كل شيء ، بين من فعلهم ما هو أشد سفهاً منه بشرح ما لوح إليه التعبير بالزعم فقال مسبباً عن ذلك ومفرعاً : { فما كان لشركائهم } أي بزعمهم أنهم شركاء { فلا يصل إلى الله } أي الذي هو المالك مع اتصافه بصفات الجلال والجمال { وما كان لله } أي على ما له من الكبر والعظمة والجلال والعزة { فهو يصل إلى شركائهم } فإذا هلك ما سموا لشركائهم أو أجدب وكثر ما لله قالوا : ليس لآلهتنا بد من نفقة{[31332]} ، فأخذوا ما لله فأنفقوه{[31333]} على آلهتهم ، وإذا أجدب الذي لله وكثر ما لآلهتهم قالوا : لو شاء الله لأزكى الذل له ، فلا يردون عليه شيئاً مما للآلهة .
ولما بلغ هذا غاية السفه قال : { ساء ما يحكمون * } أي حكمهم هذا أسوأ حكم ؛ ذكر الإمام أبو الربيع سليمان بن سالم الكلاعي في سيرته{[31334]} في وفد خولان أنه كان لهم صنم يسمى عم أنس ، وأنهم لما وفدوا على النبي صلى الله عليه وسلم ذكروا له أنهم كانوا يجعلون من أنعامهم وحروثهم جزءاً له وجزءاً لله بزعمهم ، قالوا : كنا نزرع الزرع فنجعل له وسطه{[31335]} فنسميه له ونسمي زرعاً آخر حجرة{[31336]} لله عزّ وجلّ ، فإذا مالت الريح بالذي سميناه لله جعلناه لعم أنس ، وإذا مالت الريح بالذي جعلناه لعم أنس لم نجعله لله ، فذكر لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله عزّ وجلّ أنزل عليه في ذلك { وجعلوا لله } الآية ، قالوا : وكنا نتحاكم إليه فيتكلم{[31337]} ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
" تلك الشياطين تكلمكم " ، قالوا : فأصبحنا برسول الله وقلوبنا تعرف أنه كان لا يضر ولا ينفع ولا يدري من عبده ممن لم يعبده . وقال ابن هشام في مقدمة السيرة إنهم كانوا يقسمون له ، فما دخل{[31338]} في حق عم أنس من حق الله الذي سموه له تركوه له{[31339]} ، وما دخل في حق الله من حق عم أنس ردوه عليه ، قال : وهم بطن من خولان يقال لهم الأديم ؛{[31340]} وقال عبد{[31341]} الرزاق في تفسيره : أخبرنا معمر{[31342]} عن قتادة قال : كانوا{[31343]} يعزلون من أموالهم شيئاً فيقولون : هذا لله وهذا لأصنامهم ، فإن ذهب شيء مما جعلوا لشركائهم يخالط شيئاً مما جعلوه{[31344]} ردوه ، وإن ذهب شيء مما جعلوه لله يخالط شيئاً مما جعلوه لشركائهم تركوه ، وإن أصابتهم سنة أكلوا مما جعلوا لله وتركوا ما{[31345]} جعلوا لشركائهم ، فقال عزّ وجلّ { ساء ما يحكمون } وقال البغوي : كانوا يجعلون لله من حروثهم وأنعامهم وثمارهم وسائر أموالهم نصيباً وللأوثان نصيباً{[31346]} ، فما جعلوه لله صرفوه للضيفان والمساكين ، وما جعلوه للأصنام أنفقوه على الأصنام وخدمها{[31347]} ، فإن سقط شيء مما جعلوه{[31348]} لله في نصيب الأوثان تركوه وقالوا : إن الله غني عن هذا ، وإن سقط شيء من نصيب الأوثان فيما جعلوه لله ردوه إلى الأوثان وقالوا : إنها محتاجة ، وكان إذا هلك أو{[31349]} انتقص شيء مما جعلوه لله لم يبالوا{[31350]} به ، وإذا هلك أو{[31351]} انتقص شيء مما جعلوه للأصنام جبروه بما جعلوه لله . {[31352]}
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.