الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَقَالُواْ هَٰذِهِۦٓ أَنۡعَٰمٞ وَحَرۡثٌ حِجۡرٞ لَّا يَطۡعَمُهَآ إِلَّا مَن نَّشَآءُ بِزَعۡمِهِمۡ وَأَنۡعَٰمٌ حُرِّمَتۡ ظُهُورُهَا وَأَنۡعَٰمٞ لَّا يَذۡكُرُونَ ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَيۡهَا ٱفۡتِرَآءً عَلَيۡهِۚ سَيَجۡزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ} (138)

ذكر تعالى{[6747]} نوعا آخر من جهالتهم . وقرأ أبان بن عثمان " حجر " بضم الحاء والجيم . وقرأ الحسن وقتادة " حجر " بفتح الحاء وإسكان الجيم ، لغتان بمعنى . وعن الحسن أيضا " حجر " بضم الحاء . قال أبو عبيد عن هارون قال : كان الحسن يضم الحاء في " حجر " في جميع القرآن إلا في قوله : " برزخا وحجرا محجورا " {[6748]} [ الفرقان : 53 ] فإنه كان يكسرها ههنا . وروي عن ابن عباس وابن الزبير " وحرث حرج " الراء قبل الجيم ، وكذا في مصحف أبي ، وفيه قولان : أحدهما أنه مثل جبذ وجذب . والقول الآخر - وهو أصح - أنه من الحرج ، فإن الحرج ( بكسر الحاء ) لغة في الحرج ( بفتح الحاء ) وهو الضيق والإثم ، فيكون معناه الحرام . ومنه فلان يتحرج أي يضيق على نفسه الدخول فيما يشتبه عليه من الحرام . والحجر : لفظ مشترك . وهو هنا بمعنى الحرام ، وأصله المنع . وسمي العقل حجرا لمنعه عن القبائح . وفلان في حجر القاضي أي منعه . حجرت على الصبي حجرا . والحجر العقل ؛ قال الله تعالى : " هل في ذلك قسم لذي حجر{[6749]} " [ الفجر : 5 ] والحجر الفرس الأنثى . والحجر القرابة . قال :

يريدون أن يُقْصُوه عني وإنه *** لذو حسب دان إلي وذو حِجْرِ

وحجر الإنسان وحجره لغتان ، والفتح أكثر . أي حرموا أنعاما وحرثا وجعلوها لأصنامهم وقالوا : " لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم " وهم خدام الأصنام . ثم بين أن هذا تحكم لم يرد به شرع ؛ ولهذا قال : " بزعمهم " . " وأنعام حرمت ظهورها " يريد ما يسيبونه لآلهتهم على ما تقدم من النصيب . وقال مجاهد : المراد البحيرة والوصيلة والحام{[6750]} . " وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها " يعني ما ذبحوه لآلهتهم . قال أبو وائل : لا يحجون عليها . " افتراء " أي للافتراء " على الله " ؛ لأنهم كانوا يقولون : الله أمرنا بهذا . فهو نصب على المفعول له . وقيل : أي يفترون افتراء ، وانتصابه لكونه مصدرا .


[6747]:في ك : فيهم.
[6748]:راجع ج 13 ص 58.
[6749]:راجع ج 20 ص 42.
[6750]:البحيرة: الناقة التي نتجت خمسة أبطن، وكان آخرها ذكرا بحروا أذنها (أي شقوها) وأعفوا ظهرها من الركوب والحمل والذبح، ولا تجلى (تطرد) عن ماء ترده، ولا تمنع من مرعى، وإذا لقيها المُعْي المنقطع به لم يركبها. والوصيلة، الناقة: التي وصلت بين عشرة أبطن. ومن الشاه التي وصلت سبعة أبطن، عناقين، فإن ولدت في السابعة عناقا وجديا قيل: وصلت أخاها. فلا يشرب لبن الأم إلا الرجال دون النساء. والحامي: الفحل من الإبل يضرب الضراب المعدود، قبل عشرة أبطن، فإذا بلغ ذلك قالوا: هذا حام. أي حمى ظهره فيترك. فلا ينتفع منه بشيء ولا يمنع من ماء ولا مرعى. راجع ج 6 ص 335 فما بعدها.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَقَالُواْ هَٰذِهِۦٓ أَنۡعَٰمٞ وَحَرۡثٌ حِجۡرٞ لَّا يَطۡعَمُهَآ إِلَّا مَن نَّشَآءُ بِزَعۡمِهِمۡ وَأَنۡعَٰمٌ حُرِّمَتۡ ظُهُورُهَا وَأَنۡعَٰمٞ لَّا يَذۡكُرُونَ ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَيۡهَا ٱفۡتِرَآءً عَلَيۡهِۚ سَيَجۡزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ} (138)

ولما ذكر إقدامهم على ما قبحه الشرع{[31367]} ، ولامه على تقبيحه العقلُ من قتل الأولاد ، أتبعه إحجامهم عما حسنه الشرع من ذبح بعض الأنعام لنفعهم ، وضم إليه جملة مما منعوا{[31368]} أنفسهم منه ودانوا به لمجرد{[31369]} أهوائهم فقال : { وقالوا } أي المشركون سفهاً وجهلاً { هذه } إشارة إلى قطعة من أموالهم عينوها لآلهتهم { أنعام وحرث حجر } أي حرام محجور عليه فلا يصل أحد إليه ، وهو وصف يستوي فيه الواحد والجمع{[31370]} والمذكر والمؤنث ، لأن حكمه حكم الأسماء غير الصفات { لا يطعمها } أي يأكل منها { إلا من نشاء } أي من السدنة ونحوهم { بزعمهم } أي بتقولهم بمجرد الهوى من غير سند عن الله الذي له ملكوت السماوات والأرض ، وهم كاذبون في هذا الزعم في أصل التحريم و{[31371]} في نفوذ المنع ، فلو أراد الله أن تؤكل لأكلت ولم يقدروا على منع { وأنعام } .

ولما كان ذمهم على مجرد التجريم لا على كونه من معين ، بني للمجهول قوله : { حرمت ظهورها } يعني البحائر وما معها فلا تركب{[31372]} { وأنعام لا يذكرون } أي هؤلاء المتقولون على الله { اسم الله } الذي حاز جميع العظمة { عليها{[31373]} } أي في الذبح أو غيره { افتراء } أي تعمداً للكذب { عليه } .

ولما كان هذا لعظمه من{[31374]} جهة أنه تعمد للكذب على ملك الملوك موضع{[31375]} تشوف السامع إلى ما يكون{[31376]} عنه ، استأنف{[31377]} قوله : { سيجزيهم } أي بوعد صادق لا خلف فيه { بما } أي بسبب ما { كانوا } أي جبلة وطبعاً { يفترون * } أي يتعمدون من الكذب ، أما بعد إظهار الحق فواضح ، وأما قبله فلكونه في غاية ما يكون من ظهور{[31378]} الفساد .


[31367]:في ظ: الشر.
[31368]:في ظ: نفعوا.
[31369]:من ظ، وفي الأصل: بمجرد.
[31370]:من ظ، وفي الأصل: الجميع.
[31371]:سقط من ظ.
[31372]:من ظ، وفي الأصل: لا يركب.
[31373]:سقط من ظ.
[31374]:من ظ، وفي الأصل: في.
[31375]:زيد من ظ.
[31376]:من ظ، وفي الأصل: عن فاستأنف- كذا.
[31377]:من ظ، وفي الأصل: عن فاستأنف- كذا.
[31378]:في ظ: ظهر.