الأولى - روى النسائي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : سمعت رجلا يستغفر لأبويه وهما مشركان فقلت : أتستغفر لهما وهما مشركان ؟ فقال : أو لم يستغفر إبراهيم عليه السلام لأبيه . فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له{[8333]} فنزلت : " وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه " . والمعنى : لا حجة لكم أيها المؤمنون في استغفار إبراهيم الخليل عليه السلام لأبيه ، فإن ذلك لم يكن إلا عن عدة . وقال ابن عباس : كان أبو إبراهيم وعد إبراهيم الخليل أن يؤمن بالله ويخلع الأنداد ، فلما مات على الكفر علم أنه عدو الله فترك الدعاء له فالكناية في قوله : " إياه " ترجع إلى إبراهيم والواعد أبوه . وقيل : الواعد إبراهيم أي وعد إبراهيم أباه أن يستغفر له فلما مات مشركا تبرأ منه . ودل على هذا الوعد قوله : " سأستغفر لك ربي{[8334]} " [ مريم : 47 ] . قال القاضي أبو بكر بن العربي : تعلق النبي صلى الله عليه وسلم في الاستغفار لأبي طالب بقوله تعالى : " سأستغفر لك ربي " [ مريم : 47 ] فأخبره الله تعالى أن استغفار إبراهيم لأبيه كان وعدا قبل أن يتبين الكفر منه فلما تبين له الكفر منه تبرأ منه فكيف تستغفر أنت لعمك يا محمد وقد شاهدت موته كافرا .
الثانية - ظاهر حالة المرء عند الموت يحكم عليه بها ، فإن مات على الإيمان حكم له به ، وإن مات على الكفر حكم له به وربك أعلم بباطن حاله بيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له العباس : يا رسول الله هل نفعت عمك بشيء ؟ قال : ( نعم ) . وهذه شفاعة في تخفيف العذاب لا في الخروج من النار على ما بيناه في كتاب " التذكرة " .
الثالثة - قوله تعالى : " إن إبراهيم لأواه حليم " اختلف العلماء في الأواه على خمسة عشر قولا :
[ الأول ] أنه الدَّعّاء الذي يكثر الدُّعاء ؛ قاله ابن مسعود وعبيد بن عمير .
الثاني : أنه الرحيم بعباد الله قاله الحسن وقتادة ، وروي عن ابن مسعود . والأول أصح إسنادا عن ابن مسعود قاله النحاس .
الثالث : أنه الموقن قاله عطاء وعكرمة ورواه أبو ظبيان عن ابن عباس . الرابع : أنه المؤمن بلغة الحبشة قاله ابن عباس أيضا . [ الخامس ] أنه المسبح الذي يذكر الله في الأرض القفر الموحشة ، قاله الكلبي وسعيد بن المسيب . [ السادس ] أنه الكثير الذكر لله تعالى قاله عقبة بن عامر وذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم رجل يكثر ذكر الله ويسبح فقال : ( إنه لأواه ) .
[ السابع ] أنه الذي يكثر تلاوة القرآن . وهذا مروي عن ابن عباس . قلت : وهذه الأقوال متداخلة وتلاوة القرآن يجمعها .
[ الثامن ] أنه المتأوه ، قاله أبو ذر وكان إبراهيم عليه السلام يقول : ( آه من النار قبل ألا تنفع آه ) . وقال أبو ذر : كان رجل يكثر الطواف بالبيت ويقول في دعائه : أوه أوه ، فشكاه أبو ذر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( دعه فإنه أواه ) فخرجت ذات ليلة فإذا النبي صلى الله عليه وسلم يدفن ذلك الرجل ليلا ومعه المصباح . [ التاسع ] أنه الفقيه قاله مجاهد والنخعي . [ العاشر ] أنه المتضرع الخاشع رواه عبدالله بن شداد بن الهاد عن النبي صلى الله عليه وسلم . وقال أنس : تكلمت امرأة عند النبي صلى الله عليه وسلم بشيء كرهه فنهاها عمر فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( دعوها فإنها أواهة ) قيل : يا رسول الله ، وما الأواهة ؟ قال : ( الخاشعة ) . [ الحادي عشر ] أنه الذي إذا ذكر خطاياه استغفر منها قاله أبو أيوب . [ الثاني عشر ] أنه الكثير التأوه من الذنوب قاله الفراء . [ الثالث عشر ] أنه المعلم{[8335]} للخير قاله سعيد بن جبير . [ الرابع عشر ] أنه الشفيق قاله عبدالعزيز بن يحيى . وكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يسمى الأواه لشفقته ورأفته . [ الخامس عشر ] أنه الراجع عن كل ما يكره الله تعالى قاله عطاء وأصله من التأوه ، وهو أن يسمع للصدر صوت من تنفس الصعداء . قال كعب : كان إبراهيم عليه السلام إذا ذكر النار تأوه . قال الجوهري : قولهم عند الشكاية أوه من كذا ساكنة الواو إنما هو توجع . قال الشاعر :
فأوْهِ لذكراها إذا ما ذكرتها*** ومن بُعد أرضٍ بيننا وسماء
وربما قلبوا الواو ألفا فقالوا : آه من كذا . وربما شددوا الواو وكسروها وسكنوا الهاء فقالوا : أوه من كذا . وربما حذفوا مع التشديد الهاء فقالوا : أو من كذا بلا مد . وبعضهم يقول : آوه بالمد والتشديد وفتح الواو ساكنة الهاء لتطويل الصوت بالشكاية . وربما أدخلوا فيها التاء فقالوا : أوتاه يمد ولا يمد . وقد أوه الرجل تأويها وتأوه تأوها إذا قال أوه ، والاسم منه الآهة بالمد . قال المثقب العبدي :
إذا ما قمت أرحَلُهَا بليل*** تأوَّهُ آهةَ الرجل الحزين
والحليم : الكثير الحلم وهو الذي يصفح عن الذنوب ويصبر على الأذى . وقيل : الذي لم يعاقب أحدا قط إلا في الله ولم ينتصر لأحد إلا لله . وكان إبراهيم عليه السلام كذلك وكان إذا قام يصلي سمع وجيب{[8336]} قلبه على ميلين .
ولما{[37272]} أنكر أن يكون لهم ذلك . وكان الخليل عليه السلام المأمور بالاقتداء به واللزوم بملته{[37273]} قد استغفر لأبيه ، بين أنه كان أيضاً قبل العلم بما في نفس الأمر من استحقاقه للتأبيد في النار ، فقال دالاً بواو العطف على أن التقدير : فما استغفر لهم بعد العلم أحد من المؤمنين : { وما كان استغفار إبراهيم } أي خليل الله { لأبيه } أي بعد أن خالفه في الدين { إلا عن موعدة } أي وهي قوله { لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء }{[37274]}[ الممتحنة : 4 ] وأكد صدور الوعد بقوله : { وَعَدَها إياه } أي الخليل لأبيه قبل أن يعلم أنه أبدى الشقاوة ، وقيل : الضمير لأبيه ، كان وعده أنه يسلم فاستغفر له ظناً منه أنه صدق في وعده فأسلم ، والذي يدل على أنه كان قبل علمه بذلك قوله : { فلما تبين له } أي بياناً شافياً قاطعاً{[37275]} { أنه عدو لله } أي الملك الأعلى مؤبد العداوة له بموته على الكفر أو بالوحي بأنه يموت عليه { تبرأ } أي أكره نفسه على البراءة { منه } ثم علل ما أفهمته صيغة التفعل من المعالجة بقوله : { إن إبراهيم لأواه } أي شديد{[37276]} الرقة الموجبة للتأوه من خوف الله ومن الشفقة على العباد ؛ قال الزجاج : والتأوه أن يسمع للصدر صوت من تنفس{[37277]} الصعداء { حليم* } أي شديد التحمل والإغضاء عن المؤذى له ، هكذا خلقه في حد ذاته فكيف في حق أبيه ولو قال له{ لأرجمنك واهجرني }{[37278]}[ مريم : 46 ] وأضعاف ذلك ؛ قال الإمام {[37279]}أبو محمد{[37280]} إسحاق بن إبراهيم بن إسماعيل البستي القاضي في تفسيره : حدثنا حرملة حدثنا ابن وهب أخبرني ابن جريح عن أيوب بن هانىء عن مسروق بن الأجدع عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يوماً وخرجنا معه حتى انتهى إلى المقابر فأمرنا فجلسنا ثم تخطى القبور حتى انتهى إلى قبر منها فجلس إليه فناجاه طويلاً ثم ارتفع نحيب رسول الله صلى الله عليه وسلم باكياً فبكينا لبكاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم أن النبي صلى الله عليه وسلم أقبل إلينا فتلقاه عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال : ما الذي أبكاك يا نبي الله فقد أبكانا وأفزعنا ، فأخذ بيد عمر رضي الله عنه ثم أقبل إلينا فأتيناه فقال : أفزعكم بكائي ؟ قلنا : نعم يا رسول الله ! قال : إن القبر الذي رأيتموني أناجي قبر آمنة بنت وهب وإني استأذنت{[37281]} ربي في الاستغفار لها فلم ياذن لي ونزل عليّ { ما كان للنبي والذين آمنوا{[37282]} أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربى{[37283]} } حتى ختم الآية { وما كان استغفار إبراهيم لأبية إلا عن موعدة وعدها إياه } فأخذني ما يأخذ الولد من الرقة فذلك{[37284]} الذي أبكاني{[37285]} "
وهذا سند{[37286]} حسن ، ولمسلم وأبي داود والنسائي وابن ماجه في الجنائز عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : زار النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه{[37287]} فبكى وأبكى من حوله وقال : " استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يأذن لي واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي ، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت " وللبخاري في التفسير وغيره عن ابن المسيب عن أبيه رضي الله عنه قال : " لما حضرت أبا طالب الوفاة دخل النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي{[37288]} أمية فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أي عم ! قل : لا إله إلا الله ، أُحاج لك بها عند الله ، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية : يا أبا طالب ! أترغب عن ملة عبد المطلب ؟ - وفي رواية : فكان آخر ما كلمهم أن قال : هو على ملة عبد المطلب - فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لأستغفرن لك ما لم أنه عنك ، فنزلت { ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين } وأنزل الله في أبي طالب { إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء }{[37289]} [ القصص :56 ] " الآية{[37290]} ولعله استمر{[37291]} يستغفر له ما بين موته وغزوة تبوك حتى نزلت ، ورُوي في سبب نزولها غير هذا أيضاً ، وقد تقدم أنه يجوز أن تتعدد الأسباب .