الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعۡدَ إِيمَٰنِهِمۡ ثُمَّ ٱزۡدَادُواْ كُفۡرٗا لَّن تُقۡبَلَ تَوۡبَتُهُمۡ وَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلضَّآلُّونَ} (90)

قال قتادة وعطاء الخراساني والحسن : نزلت في اليهود كفروا بعيسى والإنجيل ، ثم ازدادوا كفرا بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن . وقال أبو العالية : نزلت في اليهود والنصارى كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم بعد إيمانهم بنعته وصفته " ثم ازدادوا كفرا " بإقامتهم على كفرهم . وقيل :

" ازدادوا كفرا " بالذنوب التي اكتسبوها . وهذا اختيار الطبري ، وهي عنده في اليهود . " لن تقبل توبتهم " مشكل لقوله : " وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفوا عن السيئات " {[3201]} [ الشورى : 25 ] فقيل : المعنى لن تقبل توبتهم عند الموت . قال النحاس : وهذا قول حسن ، كما قال عز وجل : " وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن " {[3202]} [ النساء : 18 ] . وروي عن الحسن وقتادة وعطاء . وقد قال صلى الله عليه وسلم : ( إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر ){[3203]} . وسيأتي في " النساء " بيان هذا المعنى . وقيل : " لن تقبل توبتهم " التي كانوا عليها قبل أن يكفروا ؛ لأن الكفر قد أحبطها . وقيل : " لن تقبل توبتهم " إذا تابوا من كفرهم إلى كفر آخر ، وإنما تقبل توبتهم إذا تابوا إلى الإسلام . وقال قطرب : هذه الآية نزلت في قوم من أهل مكة قالوا : نتربص بمحمد ريب المنون ، فإن بدا لنا الرجعة رجعنا إلى قومنا . فأنزل الله تعالى : " إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم " أي لن تقبل توبتهم وهم مقيمون على الكفر ، فسماها توبة غير مقبولة ؛ لأنه لم يصح من القوم عزم ، والله عز وجل يقبل التوبة كلها إذا صح العزم .


[3201]:- راجع جـ16 ص 25.
[3202]:- راجع جـ5 ص 90.
[3203]:- أي ما لم تبلغ روحه حلقومه، فيكون بمنزلة الشيء الذي يتغرغر به المريض، راجع جـ5 ص 92.
 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعۡدَ إِيمَٰنِهِمۡ ثُمَّ ٱزۡدَادُواْ كُفۡرٗا لَّن تُقۡبَلَ تَوۡبَتُهُمۡ وَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلضَّآلُّونَ} (90)

{ ثم ازدادوا كفرا } قيل : هم اليهود كفروا بعيسى بعد إيمانهم بموسى ، ثم ازدادوا كفرا بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم وقيل : كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم بعد أن كانوا مؤمنين قبل مبعثه ، ثم ازدادوا كفرا بعداوتهم له وطعنهم عليه ؛ وقيل : هم الذين ارتدوا .

{ لن تقبل توبتهم } قيل : ذلك عبارة عن موتهم على الكفر : أي ليس لهم توبة فتقبل ، وذلك في قوم بأعيانهم ختم الله لهم بالكفر ، وقيل : لن تقبل توبتهم مع إقامتهم على الكفر ، فذلك عام .