لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{وَلَئِنۡ أَذَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِنَّا رَحۡمَةٗ ثُمَّ نَزَعۡنَٰهَا مِنۡهُ إِنَّهُۥ لَيَـُٔوسٞ كَفُورٞ} (9)

تَكَدُّرُ ما صفا من النِّعم ، وتَغيُّرُ ما أُتيح من الإحسان والمِنَن حالٌ معهودةٌ وخُطَّة عامة ، فلا أحدَ إلا وله منها خِطَّه3 فَمْنْ لم يرجع بالتأسُّفِ قلبه ، ولم يتضاعفْ في كل نَفَسٍ تَلَهفُّهُ وكَرْبُه ففي ديوان النسيان ، وأثبت اسمه في جملة أهل الهجران . ومن استمسك بعروة التضرع ، واعتكف بعقوة التذلل ، احتسى كاساتِ الحسرة عُلَلاً بعد نهل طاعته للحق بنعت الرحمة ، وجَدَّدَ له ما اندرس من أحوال القربة ، وأطْلَعَ عليه شمسَ الإقبال بعد الأفول والغيبة ، كما قيل .

تَقَشَعَ غَيمُ الهجرِ عن قمر الحبِّ *** وأشرق نورُ الصبح في ظلمة الغيب

وليس للأحوال الدنيوية خَطَرٌ في التحقيق ، ولا يُعدُّ زوالها وتكدُرها من جملة المحن عند أرباب التحصيل ، لكنَّ المحنة الكبرى والرزيةَ العظمى ذبولُ غصنِ الوصال ؛ وتكدرُ مشرب القرب ، وأفولُ شوارق الأُنْسِ ، ورَمَدُ بصائر أرباب الشهود . . . فعند ذلك تقوم قيامتُهم ، وهناك تُسْكَبُ العَبَراتُ . ويقال إذا نَعَقَ في ساحاتِ هؤلاء غرابُ البيْن ارتفع إلى السماء نُوَاحُ أسرارهم بالويل ، ومن جملة ما يبثون نحيبهم ما قلتُ :

قولاً لَمِنْ سَلَبَ الفؤادَ فراقُه *** ولقد عَهِدنا أن يُبَاحَ عِتَاقُه

بَعُدَ الفراق . . . فبالذي هو بيننا *** هَلاَّ رحمتم مَنْ دنا إزهاقُه ؟

عهدي بمن جحد الهوى أزمان كُ *** نَّا بالصبابةِ- لا يَضيق نِطاقُه

والآن مُذْ بَخلَ الزمانُ بوصلنا *** ضاق البسيطة حين دام فراقُه

هل تُرتَجى من وصل عِزَّك رجعةٌ *** تحنو على قمرٍ يدوم محاقُه ؟

إن كان ذاك كما تروم فأخْبِروا *** أنَّى له أن يعودَ شروقَه ؟

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَلَئِنۡ أَذَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِنَّا رَحۡمَةٗ ثُمَّ نَزَعۡنَٰهَا مِنۡهُ إِنَّهُۥ لَيَـُٔوسٞ كَفُورٞ} (9)

{ وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإنسان مِنَّا رَحْمَةً } أي أعطيناه نعمة من صحة . وأمن ، وجدة ، وغيرها وأوصلناها إليه بحيث يجد لذتها فالاذاقة مجاز عن هذا الإعطاء { ثُمَّ } أي سلبنا تلك الرحمة { الكتاب مِنْهُ } صلة النزع ، والتعبير به للاشعار بشدة تعلقه بها وحرصه عليه { أَنَّهُ } شديد اليأس كثيره قطوع رجاءه من عود مثل تلك النعمة عاجلاً أو آجلاً بفضل الله تعالى لعدم صبره وتوكله عليه سبحانه وثقته به .

{ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ } كثير الكفران لما سلف لله تعالى عليه من النعم ، وتأخير هذا الوصف عن وصف يأسهم لرعاية الفواصل على أن اليأس من باب الكفران للنعمة السالفة أيضاً .

( ومن باب الإشارة ) :{ وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإنسان مِنَّا رَحْمَةً } [ هود : 9 ] الخ تضمن الإشارة إلى أنه ينبغي للعبد أن يكون في السراء والضراء واثقاً بربه تعالى متوكلاً عليه غير محتجب عنه برؤية الأسباب لئلا يحصل له اليأس والكفران والبطر والفخر بذلك وجوداً وعدماً ، فإن آتاه رحمة شكره أولاً : برؤية ذلك منه جل شأنه بقلبه .

وثانياً : باستعمال جوارحه في مراضيه وطاعاته والقيام بحقوقه تعالى فيها ، وثالثاً : بإطلاق لسانه بالحمد والثناء على الله تعالى وبذلك يتحقق الشكر المشار إليه بقوله تعالى : { وَقَلِيلٌ مّنْ عِبَادِىَ الشكور } [ سبأ : 13 ] وإلى ذلك أشار من قال :

أفادتكم النعماء مني ثلاثة *** يدي ولساني والضمير المحجبا

وبالشكر تزداد النعم كما قال تعالى : { لَئِن شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكُمْ } [ إبراهيم : 7 ] ، وعن علي كرم الله تعالى وجهه إذا وصلت إليكم أطراف النعم فلا تنفروا أقصاها بقلة الشكر ، ثم إن نزعها منه فليصبر ولايتهم الله تعالى بشيء فإنه تعالى أبر بالعبد وأرحم وأخبر بمصلحته وأعلم ، ثم إذا أعادها عليه لا ينبغي أن يبطر ويغتر ويفتخر بها على الناس فإن الاغترار والافتخار بما لا يملكه من الجهل بمكان ، وقد أفاد سبحانه أن من سجايا الإنسان في الشدة بعد الرحمة اليأس والكفران وبالنعماء بعد الضراء الفرح والفخر