لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{وَمِنۡهُم مَّن يَنظُرُ إِلَيۡكَۚ أَفَأَنتَ تَهۡدِي ٱلۡعُمۡيَ وَلَوۡ كَانُواْ لَا يُبۡصِرُونَ} (43)

مَنْ سُدَّتْ بصيرتُه بالغفلة والغيبة لم يَزدْه إدراكُ البَصَرِ إلا حجبةً على حجية ، ومَنْ لم ينظر إلى الله بالله ، ولم يسمع من الله بالله ، فقصاراه العمى والصمم ، { فَإنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلكِن تَعْمَى القُلُوبُ الّتِي في الصُّدُورِ } [ الحج :46 ] وقال عليه السلام فيما أخبر عن الله : " فبي يسمع وبي يبصر " 12 .

وأنشد قائلهم :

تأمَّلْ بعين الحقِّ إنْ كنتَ ناظراً *** إلى منظرٍ منه إليه يعود

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَمِنۡهُم مَّن يَنظُرُ إِلَيۡكَۚ أَفَأَنتَ تَهۡدِي ٱلۡعُمۡيَ وَلَوۡ كَانُواْ لَا يُبۡصِرُونَ} (43)

قوله : { ومنهم من يستمع إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون 42 ومنهم من ينظر إليك فأنت تهدي العمى ولو كانوا لا يبصرون } جمع الضمير في { يستمعون } حملا على المعنى ؛ لأن معناها الجمع ، وأفرده في { ينظر } حملا على اللفظ ؛ لأن لفظها مفرد{[1986]} والاستفهام للنفي ، والفاء في الموضعين للعطف ، وهذا فريق من المشركين الضالين قد ختم الله سمعه وقلبه وبصره فبات كالأبله الأصم الذي لا يسمع ولا يعي . وكالأعمى الضال الذي لا يبصره ولا يهتدي ، هؤلاء لفرط تمردهم وعتوهم وفظاعة جحودهم وحقدهم باتت طبائعهم ونفوسهم لا تستسيغ الحق ولا تلين لكلام الله ؛ فهم يشهبون في ظواهرهم الصم والعمى ؛ إذ هم يستمعون إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ القرآن وتنسكب من فيه الطاهر أروع الحكمة والكلم . لكن جهاز الاستقبال المركوز في أعماقهم معطل مشلول ؛ فهم بذلك لا تلين قلوبهم لسماع القرآن ، ولا يستجيبون لندائه البليغ المؤثر كأنما هم صم لا يسمعون شيئا ، أو عمي لا يرون شيئا . ويدل ذلك على أن أحدا لا يؤمن إلا بتوفيق الله وهدايته وترشيده . وهذا رد على القدرية قولهم : إن الإنسان قادر على فعل ما يريد . سواء في ذلك سلوكه سبيل الهداية أو سبيل الضلال .


[1986]:البيان لابن الأنباري جـ 1 ص 413.