لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{وَمَآ أَرۡسَلۡنَا فِي قَرۡيَةٖ مِّن نَّبِيٍّ إِلَّآ أَخَذۡنَآ أَهۡلَهَا بِٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمۡ يَضَّرَّعُونَ} (94)

حرَّكهم بالبلاء الأَهْوَنِ تحذيراً من البلاء الأصعب ، فإذا تمادوا في غيهم ، ولم ينتبهوا من غفلتهم مَدَّ عليهم ظلالَ الاستدراجِ ، ووسّعَ عليهم أسبابَ التفرقة مكراً بهم في الحال ، فإذا وَطَّنُوا - على مساعدة الدنيا - قلوبهم ، وركنوا إلى ما سوَّلت لهم من امتدادها ، أبرز لهم من مكامن التقدير ما نَغَّصَ عليهم طيبَ الحياة ، واندق بغتةً عُنُقُ السرور ، وشَرِقُوا بما كانوا ينهلون من كاسات المنى ، فتبدّل ضياءُ نهارهم بِسُدفَةِ الوحشة ، وتكدّر صافي مشربهم بيد النوائب ، كما سبقت به القسمة .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَمَآ أَرۡسَلۡنَا فِي قَرۡيَةٖ مِّن نَّبِيٍّ إِلَّآ أَخَذۡنَآ أَهۡلَهَا بِٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمۡ يَضَّرَّعُونَ} (94)

قوله تعالى : { وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخدنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون 94 ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء فأخذتهم بغتة وهم لا يشعرون } البأساء ، يعني شدة الحال وشظف العيش وضيقه . أو المشقة والفقر{[1478]} . والضراء ، نقيض السراء . وهي الشدة وكل ما يضر . أو هي النقص في الأموال والأنفس{[1479]} وذلك إخبار من الله عز وعلا عن سنته في الأمم الخالية من قبل هذه الأمة ، بأنه ما أرسل في قرية من نبي يقبل رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم إلا أذاق الله لأهلها البؤس والشدة والشطف وضيق العيش وسوء الحال . وذلك لكي يتضرعوا إلى ربهم ويتذللوا له بالعبادة والطاعة وينيبوا إليه بالكف عن الشرك والضلال والباطل ، ولكي يصيخوا لدعوة الحق التي جاءهم بها أنبياؤهم . ولا جرم ان البشرية في غالب أحوالها ووقائعها تجنح للفسق والضلالة واقتراف المعاصي ؛ استجابة لنداءات الشياطين من الإنس والجن ؛ وتخاذلا أمام جواذب الغرائر والشهوات التي تلين حيالها العزائم ، وتفتر أمام كابوسها الهمم لتميل بالإنسانية إلى الشر والفساد في الغالب . وبذلك بات من المفيد حقا أن اصطدم البشرية في حياتها بكثير من الأرزاء والنوائب فتهزها من الأعماق هزا ، ولتبدد من أعماقها مشاعر الجحود والاستكبار ، ولتضعف في كوامنها فرط التذلل والخنوع للأهواء والشهوات عسى أن تزجر وترعوي أو تقشع عن نفسها غشاوة العمه والنسيان ، فتفيء إلى أمر الله لتبادر الامتثال لشرعه والسير في طريقه المستقيم وهو مقتضى قوله سبحانه : { لعلهم يضرعون } .


[1478]:المعجم الوسيط جـ 1 ص 36.
[1479]:القاموس المحيط جـ 2 ص 77 والمعجم الوسيط جـ 1 ص 538.