يخبر - سبحانه - أنَّ ما جرى يَومَ بدرٍ من القتال ، وما حَصَلَ من فنون الأحوال كان بحكم التقدير ، لا بما يحصل من الخَلْق من التدبير ، أو بحكم تقتضيه رَوِيَّةُ التفكير . بل لو كان ذلك على اختيار وتَوَاعُد ، كنتم عن تلك الجملة على استكراه وتَبَاعدُ ، فجرى على ما جرى ليقضِيَ الله أمراً كان مقضيًّا ، وحصل من الأمور ما سَبَقَ به التقدير .
قوله جلّ ذكره : { لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَىَّ عَن بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ } .
أي ليُضِلَّ منْ زاغ عن الحقِّ بعد لزومه الحجة ، ويهتديَ مَنْ أقام على الحقِّ بعد وضوح الحُجَّة .
ويقال الحقُّ أوْضَحَ السبيلَ ونَصَبَ الدليلَ ، ولكن سَدَّ بصائرَ قومٍ عن شهود الرشد ، وَفَتح بصائرَ آخرين لإدراك طرق الحق .
الهالك من وقع في أودية التفرقة ، والحيُّ مَنْ حَيِيَ بنور التعريف .
ويقال الهالك من كان بحظِّه مربوطاً ، والحيُّ من كان من أسْرِ كلِّ نصيبٍ مُسْتَلَباً مجذوباً .
{ إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا ْ } أي : بعدوة الوادي القريبة من المدينة ، وهم بعدوته أي : جانبه البعيدة من المدينة ، فقد جمعكم واد واحد .
{ وَالرَّكْبُ ْ } الذي خرجتم لطلبه ، وأراد اللّه غيره { أَسْفَلَ مِنْكُمْ ْ } مما يلي ساحل البحر .
{ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ ْ } أنتم وإياهم على هذا الوصف وبهذه الحال { لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ ْ } أي : لا بد من تقدم أو تأخر أو اختيار منزل ، أو غير ذلك ، مما يعرض لكم أو لهم ، يصدفكم عن ميعادكم{[347]}
{ وَلَكِنْ ْ } اللّه جمعكم على هذه الحال { لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا ْ } أي : مقدرا في الأزل ، لا بد من وقوعه .
{ لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ ْ } أي : ليكون حجة وبينة للمعاند ، فيختار الكفر على بصيرة وجزم ببطلانه ، فلا يبقى له عذر عند اللّه .
{ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ْ } أي : يزداد المؤمن بصيرة ويقينا ، بما أرى اللّه الطائفتين من أدلة الحق وبراهينه ، ما هو تذكرة لأولي الألباب .
{ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ ْ } سميع لجميع الأصوات ، باختلاف اللغات ، على تفنن الحاجات ، عليم بالظواهر والضمائر والسرائر ، والغيب والشهادة .
إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة وإن الله لسميع عليم
[ إذ ] بدل من يوم [ أنتم ] كائنون [ بالعُدوة الدنيا ] القربى من المدينة وهي بضم العين وكسرها جانب الوادي [ وهم بالعدوة القصوى ] البعدى منها [ والركب ] العير كائنون بمكان [ أسفل منكم ] مما يلي البحر [ ولو تواعدتم ] أنتم والنفير للقتال [ لاختلفتم في الميعاد ولكن ] جمعكم بغير ميعاد [ ليقضي الله أمراً كان مفعولا ] في علمه وهو نصر الإسلام ومحق الكفر فعل ذلك [ ليهلك ] يكفر [ من هلك عن بينة ] أي بعد حجة ظاهرة قامت عليه وهي نصر المؤمنين مع قلتهم على الجيش الكثير [ ويحيى ] يؤمن [ من حي عن بينة وإن الله لسميع عليم ]
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.