يستمكنون في مواطن الصدق لا يبرحون عنه ليلاً ونهاراً ، وقولاً وفعلاً . وإذا مروا بأصحاب الزلات ومساكن المخالفات مروا متمكنين مُعْرِضين لا يساكِنون أهل تلك الحالة .
ويقال نزلت الآية في أقوام مرُّوا - لمَّا دخلوا مكة بأبواب البيوت التي كانوا يعبدون فيها الأصنام مرةً - متكرمين دون أن يلاحظوها أو يلتفتوا إليها فَشَكَرَ اللَّهُ لهم ذلك .
ثم قال في صفتهم : { وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِئَايَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً } بل قابلوها بالتفكير والتأمل ، واستعمال النظر .
لا يشهدون الزور : لا يقيمون الشهادة الكاذبة ، والمراد : أنهم لا يساعدون أهل الباطل على باطلهم .
اللغو : ما ينبغي أن يلغى ويطرح مما لا خير فيه .
كراما : مكرمين أنفسهم عن الخوض فيه .
72-{ والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما }
من صفات عباد الرحمان أنهم لا يشهدون شهادة الزور والكذب ، ففيها تضليل العدالة ، وتضييع الحقوق .
وفي الصحيحين عن أبي بكرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ؟ ) ثلاثا ، قلنا : بلى يا رسول الله . قال : ( الشرك بالله ، وعقوق الوالدين ، وكان متكئا فجلس ، فقال : ( ألا وقول الزور ، ألا وشهادة الزور ) فما زال يكررها حتى قلنا : ليته سكت31 .
وقيل : معنى : لا يشهدون الزور . . لا يحضرون مجالس الخمر ، أو اللغو والغناء ، أو مجالس السوء والخنا .
وأرى أنه يمكن الجمع بين الرأيين ، بأن من صفات عباد الرحمان : عدم شهادة الزور ، وعدم الجلوس في أماكن الريبة ، أو شرب الخمر ، أو ارتكاب المعصية .
{ وإذا مروا باللغو مروا كراما }
إذا مروا عرضا على مجالس اللغو واللهو ، أعرضوا عنها حفاظا على أنفسهم وأسماعهم وأبصارهم ، وانصرفوا كراما على أنفسهم وعلى ربهم .
وقريب من هذه الآية قوله تعالى : { وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين } [ القصص : 55 ] .
إن المؤمن له من أمر دينه وربّه ، ما يشغله ويصرفه عن حضور مجالس اللغو واللهو ، التي تذبح فيها الفضيلة ، ويضيع الحياء ، والمؤمن يصون لسانه وسمعه وفؤاده من التلوث بالباطل واللغو ، قال تعالى : { إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا } [ الإسراء : 36 ] .
قوله تعالى : { والذين لا يشهدون الزور } قال الضحاك وأكثر المفسرين : يعني الشرك ، وقال علي بن طلحة : يعني شهادة الزور . وكان عمر بن الخطاب : يجلد شاهد الزور أربعين جلدة ، ويسخم وجهه ، ويطوف به في السوق . وقال ابن جريج : يعني الكذب . وقال مجاهد : يعني أعياد المشركين . وقيل : النوح ، قال قتادة : لا يساعدون أهل الباطل على باطلهم . وقال محمد بن الحنفية : لا يشهدون اللهو والغناء . قال ابن مسعود : الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء الزرع . وأصل الزور تحسين الشيء ووصفه بخلاف صفته . فهو تمويه الباطل بما يوهم أنه حق . { وإذا مروا باللغو مروا كراماً } قال مقاتل : إذا سمعوا من الكفار الشتم والأذى أعرضوا وصفحوا ، وهي رواية ابن أبي نجيح عن مجاهد ، نظيره قوله : { وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه } قال السدي : وهي منسوخة بآية القتال . قال الحسن والكلبي : اللغو : المعاصي كلها ، يعني إذا مروا بمجالس اللهو والباطل مروا كراماً مسرعين معرضين . يقال : تكرم فلان عما يشينه إذا تنزه وأكرم نفسه عنه .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.