يخبر - سبحانه - أنَّ ما جرى يَومَ بدرٍ من القتال ، وما حَصَلَ من فنون الأحوال كان بحكم التقدير ، لا بما يحصل من الخَلْق من التدبير ، أو بحكم تقتضيه رَوِيَّةُ التفكير . بل لو كان ذلك على اختيار وتَوَاعُد ، كنتم عن تلك الجملة على استكراه وتَبَاعدُ ، فجرى على ما جرى ليقضِيَ الله أمراً كان مقضيًّا ، وحصل من الأمور ما سَبَقَ به التقدير .
قوله جلّ ذكره : { لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَىَّ عَن بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ } .
أي ليُضِلَّ منْ زاغ عن الحقِّ بعد لزومه الحجة ، ويهتديَ مَنْ أقام على الحقِّ بعد وضوح الحُجَّة .
ويقال الحقُّ أوْضَحَ السبيلَ ونَصَبَ الدليلَ ، ولكن سَدَّ بصائرَ قومٍ عن شهود الرشد ، وَفَتح بصائرَ آخرين لإدراك طرق الحق .
الهالك من وقع في أودية التفرقة ، والحيُّ مَنْ حَيِيَ بنور التعريف .
ويقال الهالك من كان بحظِّه مربوطاً ، والحيُّ من كان من أسْرِ كلِّ نصيبٍ مُسْتَلَباً مجذوباً .
الدنيا : أي : القريبة من المدينة .
الركب : العير وراكبوها وهم أبو سفيان ومن معه .
42 – { إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدتَّمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ . . . . }
إذ . بدل من { يوم الفرقان } . في الآية السابقة أي : اذكروا أيها المؤمنون ذلك اللقاء الحاسم بينكم وبين المشركين ، واشكروه على نصره إياكم فيه ، حيثما كنتم في مواجهة رهيبة مع الأعداء .
إذ كنتم في جانب الوادي القريبة من المدينة ، وهي أرض رملية تسوخ فيها الأقدام ، والمشركون نازلون في جانب الوادي الأخرى البعيدة من المدينة إلى ناحية مكة وهي قريبة من الماء .
وركب أبي سفيان وأصحابه أسفل منكم ، حيث كانوا ناحية الساحل ، ومعهم عيرهم على بعد ثلاثة أميال من بدر . وكان أبو سفيان في أربعين من قريش ، وهم مع أهل مكة يدافعون دفاع المستميت ، وجميع هذه العوامل لم تكن في صالح المسلمين ؛ فمكانهم كان ترابيا رخوا ، ومكان المشركين صلبا قويا وليس مع المؤمنين ماء ، وكان مع المشركين ماء ، والركب مع أبي سفيان ظهير ومدد للمشركين عند الحاجة ، والمشركون متحمسون للدفاع عن التجارة ، التي نجا بها أبو سفيان ، وسار بها على ساحل البحر في طريق منخفض عن بدر .
وتحديد مكان المعركة على هذا النحو ؛ فيه بيان لمنة الله تعالى على المؤمنين ؛ حيث أمدهم بالنصر ، وهم أقرب إلى الضعف ، في عددهم وعدتهم وموقعهم في مقابل قوة عدوهم ، وقدرتهم وتوفر أسباب النصر المادية لهم .
قال الزمخشري في تفسير الكشاف :
فإن قلت : ما فائدة هذا التوقيت وذكر مراكز الفريقين ، وأن العير كان أسفل منهم ؟
قلت : الفائدة فيه الإخبار عن الحال ، الدالة على قوة شأن العدو وشوكته ، وتكامل عدته ، وتمهد أسباب الغلبة له ، وضعف شأن المسلمين ، وأن غلبتهم في مثل هذه الحال ليست إلا صنعا من الله سبحانه ، ودليلا على أن ذلك أمر لم يتيسر إلا بحوله وقوته وباهر قدرتهxxviii .
{ ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا } .
أي : ولو تواعدتم أنتم والمشركون في مكان للقتال ؛ لاختلفتم في الميعاد ، ولم ترغبوا في لقاء المشركين ؛ هيبة منهم ، ويأسا من الظفر عليهم ، من جهة . ولأن المشركين كانوا يهابون قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقد كذبوا به عنادا ، واستكبروا عن الدخول في الإسلام عن جحود وكراهية لا عن يقين واقتناع .
قال تعالى : { قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبون ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون } . ( الأنعام : 33 ) .
ولكن الحق سبحانه دبر هذا اللقاء ، حين وعد المسلمين إحدى الطائفتين ، مبهمة غير مبنية( أي : العير أو النفير ) فإما أن ينجحوا في الاستيلاء على تجارة قريش ، وإما أن ينجحوا في الانتصار على قريش .
فتحركت همة المسلمين ؛ حتى خرجوا ليأخذوا العير والتجارة وتحركت همة المشركين ؛ دفاعا عن تجارتهم ، ورغبة في التظاهر والسمعة ، وتم اللقاء عند بدر ؛ ليحق الله الحق ، ويقضي أمرا كان مفعولا ؛ من إعزاز دينه ، وإعلاء كلمته ، وقطع دابر المشركين وهزيمتهم ، كما قال سبحانه : { سيهزم الجمع ويولون الدبر } . ( القمر : 45 ) .
{ ليهلك من هلك عن بينة ويحيي من حي عن بينة وإن الله لسميع عليم } .
أي : فعل الله لقاءكم في غير ميعاد ؛ لتظهر المعجزة ؛ في انتصار القلة المؤمنة على الكثرة الكافرة ، فيموت من يموت من الكفار عن حجة بينة عاينها بالنصر ؛ تثبت حقيقة الإسلام ، ويعيش من يعيش من المؤمنين عن حجة شاهدها بإعزاز الله دينه ؛ فيزداد يقينا بالإيمان ، ونشاطا في الأعمال .
لا يخفى عليه شيء من أقوال الكافرين والمؤمنين ، ولا من عقائدهم وأفعالهم .
فهو يسمع ما يقول كل فريق منهم ، ويعلم ما يظهر وما يبطنه ، ويجازي كلا بحسب ما يسمع ويعلم .
والخلاصة : إن غزوة بدر ، قامت بها الحجة البالغة للمؤمنين بنصرهم ، كما بشرهم النبي صلى الله عليه وسلم ، وقامت بها الحجة البالغة على المشركين بخذلانهم وانكسارهم ، كما أنذرهم النبي صلى الله عليه وسلم .
{ إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا ْ } أي : بعدوة الوادي القريبة من المدينة ، وهم بعدوته أي : جانبه البعيدة من المدينة ، فقد جمعكم واد واحد .
{ وَالرَّكْبُ ْ } الذي خرجتم لطلبه ، وأراد اللّه غيره { أَسْفَلَ مِنْكُمْ ْ } مما يلي ساحل البحر .
{ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ ْ } أنتم وإياهم على هذا الوصف وبهذه الحال { لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ ْ } أي : لا بد من تقدم أو تأخر أو اختيار منزل ، أو غير ذلك ، مما يعرض لكم أو لهم ، يصدفكم عن ميعادكم{[347]}
{ وَلَكِنْ ْ } اللّه جمعكم على هذه الحال { لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا ْ } أي : مقدرا في الأزل ، لا بد من وقوعه .
{ لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ ْ } أي : ليكون حجة وبينة للمعاند ، فيختار الكفر على بصيرة وجزم ببطلانه ، فلا يبقى له عذر عند اللّه .
{ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ْ } أي : يزداد المؤمن بصيرة ويقينا ، بما أرى اللّه الطائفتين من أدلة الحق وبراهينه ، ما هو تذكرة لأولي الألباب .
{ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ ْ } سميع لجميع الأصوات ، باختلاف اللغات ، على تفنن الحاجات ، عليم بالظواهر والضمائر والسرائر ، والغيب والشهادة .
قوله تعالى : { إذ أنتم } ، أي : إذ أنتم نزول يا معشر المسلمين .
قوله تعالى : { بالعدوة الدنيا } ، أي : بشفير الوادي الأدنى إلى المدينة ، والدنيا تأنيث الأدنى .
قوله تعالى : { وهم } ، يعني عدوكم من المشركين .
قوله تعالى : { بالعدوة القصوى } بشفير الوادي الأقصى من المدينة ، والقصوى تأنيث الأقصى ، قرأ ابن كثير وأهل البصرة : بالعدوة بكسر العين فيهما ، والباقون بضمهما ، وهما لغتان : كالكسوة والكسوة ، والرشوة والرشوة .
قوله تعالى : { والركب } ، يعني : العير ، يريد أبا سفيان وأصحابه .
قوله تعالى : { أسفل منكم } ، أي : في موضع أسفل منكم إلى ساحل البحر ، على ثلاثة أميال من بدر .
قوله تعالى : { ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد } ، وذلك أن المسلمين خرجوا ليأخذوا العير ، وخرج الكفار ليمنعوها ، فالتقوا على غير ميعاد ، فقال تعالى : { ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد } لقلتكم ، وكثرة عدوكم .
قوله تعالى : { ولكن } الله جمعكم على غير ميعاد .
قوله تعالى : { ليقضي الله أمراً كان مفعولا } ، من نصر أوليائه ، وإعزاز دينه ، وإهلاك أعدائه .
قوله تعالى : { ليهلك من هلك عن بينة } أي ليموت من يموت على بينة رآها ، وعبرة عاينها ، وحجة قامت عليه .
قوله تعالى : { ويحيي من حي عن بينة } ، ويعيش من يعيش على بينة لوعده ، { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً } [ الإسراء : 15 ] . وقال محمد بن إسحاق : معناه ليكفر من كفر بعد حجة قامت عليه ، ويؤمن من آمن على مثل ذلك ، فالهلاك هو الكفر ، والحياة هي الإيمان ، وقال قتادة : ليضل من ضل عن بينة ، ويهتدي من اهتدى على بينة ، قرأ أهل الحجاز ، وأبو بكر ، ويعقوب ، حيي بيائين ، مثل خشي ، وقرأ الآخرون : بياء واحدة مشددة ، لأنه مكتوب بياء واحدة مشددة .