قوله جل ذكره : { وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ } .
{ وَيَعْفُواْ عِنِ السِّيِّئَاتِ } الألف واللام للجنس مطلقاً ، وهي هنا للعهد ؛ أي تلك السيئات التي تكفي التوبةُ المذكورةُ في الشريعة لقبولها ؛ فإنه يعفو عنها إذا شاء . { وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ } : من الأعمال على اختلافها .
وهو " الذي " . . . الذي من الأسماء الموصولة التي لا يتم معناها إلا بِصِلَةٍ ، فهو قد تعرَّف إلى عباده على جهة المدح لنفسه بأنه يقبل توبة العبد ؛ فالزَّلّةُ - وإن كانتْ توجِبُ للعبد ذميمَ الصِّفَةِ - فإنَّ قبولَها يوجِبُ للحقِّ حميدَ الاسم .
ويقال : قوله : " عباده " اسم يقتضي الخصوصية ( لأنه أضافه إلى نفسه ) حتى تمنَّى كثير من الشيوخ أن يحاسبه حسابَ الأولين والآخرين لعلّه يقول له : عبدي . ولكن ما طلبوه فيما قالوه موجود في { التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ } ؛ وإذاً فلا ينبغي لهم أن يتمنوا كذلك ، وعليهم أن يتوبوا لكي يَصِلوا إلى ذلك .
ويقال لمَّا كان حديثُ العفوِ عن السيئات ذكَرَها على الجمع والتصريح فقال : { وَيَعْفُواْ عَنِ السَّيِّئَاتِ } . ثم لمَّا كان حديثُ التهديد قال : { وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ } فذكره على التلويح ؛ فلم يقل : ويعلم زلَّتك - بل قال ويعلم " ما " تفعلون ، وتدخل في ذلك الطاعةُ والزّلةُ جميعاً .
ثم تحدثت السورة الكريمة عن دلائل الإِيمان فى الأنفس والآفاق ، وعن آثار القدرة فيما يحيط بالناس ، وفيما يتعلق بحياتهم ومعاشهم ، وفيما يتعلق بمظاهر لطفه بهم ، وفضله عليهم ، فقال - تعالى - : { وَهُوَ الذي يَقْبَلُ التوبة . . . وعلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } .
قال الجمل فى حاشيته : قوله - تعالى - : { وَهُوَ الذي يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ } قال ابن عباس : يريد أولياءه وأهل طاعته . والتوبة واجبة من كل ذنب ، فإن كان معصية بين العبد وربه فلها ثلاثة شروط ، الإِقلاع عن المعصية ، والندم على فعلها ، والعزم على عدم العودة إليها .
وإن كانت المعصية تتعلق بحق آدمى ، أضيف إلى ذلك : أن يبرأ من حق صاحبها . .
والمعنى : وهو - سبحانه - وحده الذى يقبل التوبة من عباده التائبين إليه ، شفقة عليهم ، ورحمة بهم ، بأن يكفر سيئاتهم ، ولا يعاقبهم عليها .
والقبول يعدى بعن ، لتضمنه معنى الإِبانة والقطع ، ويعدى بمن لتضمنه معنى الآخذ كما فى قوله - تعالى - : { وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بالله وَبِرَسُولِهِ } وعدى بعن هنا للإِشارة إلى تجاوزه سبحانه عن خطايا عباده .
وقوله - تعالى - { وَيَعْفُواْ عَنِ السيئات } تأكيد لما قبله وتقرير له أى : أنه عز وجل يقبل التوبة من عباده التائبين ، وفضلا عن ذلك ، يعفو عن سيئاتهم ، ويسترها عليهم ، بل ويحولها - بفضله إلى حسنات ، كما قال - تعالى - { إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فأولئك يُبَدِّلُ الله سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ } وقوله - سبحانه - { وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ } تحذير من التمادى فى تأخير التوبة ، وفى اقتراف ما نهى عنه ، فكأنه - تعالى - يقول : لقد فتحت لكم باب التوبة والعفو ، فأقبلوا على طاعتى ، واتركوا معصيتى ، فإنى عليم بما تفعلونه من خير أو شر ، وسأجازى كل إنسان بما يستحقه من ثواب أو عقاب .
و { مَا } فى قوله { وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ } موصولة ، والعائد محذوف . أى : ويعلم الذى تفعلونه دون أن يخفى عليه - تعالى - شئ منه .
قوله تعالى : { وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ( 25 ) } .
يخبر الله في هذه الآيات عن عظيم فضله وبالغ مَنِّه وكرمه ورحمته بالعباد ؛ إذ يعفو عن الذنوب والخطايا ويتجاوز عن سيئات المذنبين ويغفر للنادمين التائبين ما قارفوه من المعاصي والزلات مهما كثرت . ذلكم الله المتفضل الرحيم المنّان . وهو قوله : { وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ } يقبل الله توبة التائبين الذين قارفوا ذنوبا ثم رجعوا إليه نادمين مستغفرين . والتوبة تعني الندم على فعل المعاصي ، والعزم على عدم الرجوع إليها { وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ } العفو ، معناه التَّرك والمحو . عفا عن ذنبه أي تركه ولم يعاقبه عليه . عفا الله عنك أي محا ذنوبك . وعفوت عن الحق أي أسقطته . عافاه الله أي محا عنه الأسقام . {[4105]}
قوله : { وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ } الله عليم بكل ما يفعله العباد أو يقولونه من خير أو شر . وهو جل وعلا لا يعزب عن علمه أيُّما خبر من قول أو فعل أو خَبْءٍ مستور .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.