في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَٱعۡبُدۡ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأۡتِيَكَ ٱلۡيَقِينُ} (99)

85

( اعبد ربك حتى يأتيك اليقين ) .

حتى يأتيه اليقين الذي ما بعده يقين . . الأجل . . فيمضي إلى جوار ربه الكريم :

( ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون . فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين . واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ) .

ويكون هذا ختام السورة . . الإعراض عن الكافرين واللواذ بجوار الله الكريم . أولئك الكافرين الذين سيأتي يوم يودون فيه لو كانوا مسلمين . .

إن الصدع بحقيقة هذه العقيدة ؛ والجهر بكل مقوماتها وكل مقتضياتها . ضرورة في الحركة بهذه الدعوة ؛ فالصدع القوي النافذ هو الذي يهز الفطرة الغافية ؛ ويوقظ المشاعر المتبلدة ؛ ويقيم الحجة على الناس ( ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة )أما التدسس الناعم بهذه العقيدة ؛ وجعلها عضين يعرض الداعية منها جانبا ويكتم جانبا ، لأن هذا الجانب يثير الطواغيت أو يصد الجماهير ! فهذا ليس من طبيعة الحركة الصحيحة بهذه العقيدة القوية .

والصدع بحقيقة هذه الحقيقة لا يعني الغلظة المنفرة ، والخشونة وقلة الذوق والجلافة ! كما أن الدعوة بالحسنى لا تعني التدسس الناعم ، وكتمان جانب من حقائق هذه العقيدة وإبداء جانب ، وجعل القرآن عضين . . لا هذه ولا تلك . . إنما هو البيان الكامل لكل حقائق هذه العقيدة ؛ في وضوح جلي ، وفي حكمة كذلك في الخطاب ولطف ومودة ولين وتيسير .

" وليست وظيفة الإسلام أن يصطلح مع التصورات الجاهلية السائدة في الأرض ، ولا الأوضاع الجاهلية القائمة في كل مكان . . لم تكن هذه وظيفته يوم جاء ؛ ولن تكون هذه وظيفته اليوم ولا في المستقبل . . فالجاهلية هي الجاهلية ، والإسلام هو الإسلام . . الجاهلية هي الانحراف عن العبودية لله وحده ، وعن المنهج الإلهي في الحياة ، واستنباط النظم والشرائع والقوانين ، والعادات والتقاليد والقيم والموازين ، من مصدر آخر غير المصدر الإلهي . . والإسلام هو الإسلام ، ووظيفته هي نقل الناس من الجاهلية إلى الإسلام " .

وهذه الحقيقة الأساسية الكبيرة هي التي يجب أن يصدع بها أصحاب الدعوة الإسلامية ، ولا يخفوا منها شيئا ؛ وأن يصروا عليها مهما لاقوا من بطش الطواغيت وتململ الجماهير :

( ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون . فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين . واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ) . .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَٱعۡبُدۡ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأۡتِيَكَ ٱلۡيَقِينُ} (99)

{ واعبد رَبَّكَ } دم على ما أنت عليه من عبادته سبحانه ، قيل : وفي الإظهار بالعنوان السالف آنفاً تأكيد لما سبق من إظهار اللطف به صلى الله عليه وسلم والإشعار بعلة الأمر بالعبادة { حتى يَأْتِيَكَ اليقين } أي الموت كما روي عن ابن عمر . والحسن . وقتادة . وابن زيد ، وسمي بذلك لأنه متيقن اللحوق بكل حي ، وإسناد الإتيان إليه للإيذان بأنه متوجه إلى الحي طالب للوصول إليه ، والمعنى دم على العبادة ما دمت حياً من غير إخلال بها لحظة ، وقال ابن بحر : اليقين النصر على الكافرين الذي وعده صلى الله عليه وسلم ، وأياً مّا كان فليس المراد به ما زعمه بعض الملحدين مما يسمونه بالكشف والشهود ، وقالوا : إن العبد متى حصل له ذلك سقط عنه التكليف بالعبادة وهي ليست إلا للمحجوبين ، ولقد مرقوا بذلك من الدين وخرجوا من ربقة الإسلام وجماعة المسلمين .

وذكر بعض الثقات أن هذا الأمر كان بعد الإسراء والعروج إلى السماء ، أفترى أنه صلى الله عليه وسلم لم يتضح له ليلتئذٍ صبح الكشف والشهود ولم يمن عليه باليقين عظيم الكرم والجود ؟ الله أكبر لا يتجاسر على ذلك من في قلبه مثقال ذرة من إيمان أو رزق حبة خردل من عقل ينتظم به في سلك الإنسان ، وأيضاً لم يزل صلى الله عليه وسلم ما دام حياً آتياً بمراسم العبادة قائماً بأعباء التكليف لم ينحرف عن الجادة قدر حادة أفيقال : إنه لم يأته عليه الصلاة والسلام حتى توفي ذلك اليقين ولذلك بقي في مشاق التكليف إلى أن قدم على رب العالمين ؟ لا أرى أحداً يخطر له ذلك بجنان ولو طال سلوكه في مهامه الضلالة وبان . نعم ذكر بعض العلماء الكرام في قوله تعالى : { وَلَقَدْ نَعْلَمُ } [ الحجر : 97 ] الخ كلاماً متضمناً شيئاً مما يذكره الصوفية لكنه بعيد بمراحل عن مرام أولئك اللئام ، ففي «الكشف » أنه تعالى بعدما هدم قواعد جهالات الكفرة وأبرق وأرعد بما أظهر من صنيعه بالقائلين نحو مقالات أولئك الفجرة فذلك الكلام بقوله سبحانه : { وَلَقَدْ نَعْلَمُ } [ الحجر : 97 ] مؤكداً هذا التأكيد البالغ الصادر عن مقام تسخط بالغ وكبرياء لينفس عن حبيبه عليه الصلاة والسلام أشد التنفيس ، ثم أرشد إلى ما هو أعلى من ذلك مما تأهله لمسامرة الجليس للجليس وقال تعالى : { فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ } [ الحجر : 98 ] إشارة إلى التوجه إليه بالكلية والتجرد التام عن الأغيار والتحلي بصفات من توجه إليه بحسن القبول والافتقار إذ ذلك مقتضى التسبيح والحمد لمن عقلهما ، ثم قال سبحانه : { وَكُنْ مّنَ الساجدين } [ الحجر : 98 ] دلالة على الاقتراب المضمر فيه لأن السجود غاية الذلة والافتقار وهو مظهر الفناء حتى نفسه وشرك البقاء بمن أمره بخمسه ، وقوله تعالى شأنه : { واعبد رَبَّكَ } الخ ظاهره ظاهر وباطنه يومي إلى أن السفر في الله تعالى لا ينقطع والشهود الذي عليه يستقر لا يحصل أبداً فما من طامة إلا وفوقها طامة :

إذا تغيبت بدا . . . وإن بدا غيبني

وعن لسان هذا المقام { رَّبّ زدني عِلْماً } [ طه : 114 ] اه ، هذا ولا يخفى مما ذكره غير واحد من المفسرين مناسبة خاتمة هذه السورة لفاتحتها ، وأن قوله سبحانه : { وَلَقَدْ نَعْلَمُ } [ الحجر : 97 ] الخ في مقابلة { وَقَالُواْ يا أَيُّهَا *الذي نُزّلَ عَلَيْهِ الذكر } [ الحجر : 6 ] والله تعالى أعلم وأحكم .

/خ98

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{وَٱعۡبُدۡ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأۡتِيَكَ ٱلۡيَقِينُ} (99)

قوله تعالى : { واعبد ربك حتى يأتيك اليقين } ، أي الموت الموقن به ، وهذا معنى ما ذكر في سورة مريم : { وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا } .

أخبرنا المطهر بن علي الفارسي ، أنبأنا محمد بن إبراهيم الصالحي ، أنبأنا عبد الله بن محمد بن جعفر أبو الشيخ الحافظ ، حدثنا أمية بن محمد الصواف البصري ، حدثنا محمد بن يحيى الأزدي ، حدثنا أبي والهيثم بن خارجة قالا : حدثنا إسماعيل بن عياش ، عن شرحبيل بن مسلم ، عن أبي مسلم الخولاني عن جبير بن نفير رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما أوحي إلي أن أجمع المال وأكون من التاجرين ولكن أوحي إلي أن سبح بحمد ربك وكن من الساجدين ، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين " .

وروي عن عمر رضي الله عنه قال : نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى مصعب بن عمير مقبلا وعليه أهاب كبش قد تنطق به ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " انظروا إلى هذا الذي قد نور الله قلبه لقد رأيته بين أبويه بغذيانه بأطيب الطعام والشراب ، ولقد رأيت عليه حلة شراها ، أو شريت له ، بمائتي درهم ، فدعاه حب الله ورسوله إلى ما ترونه " . والله أعلم .