في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{ٱتَّخَذُوٓاْ أَحۡبَارَهُمۡ وَرُهۡبَٰنَهُمۡ أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُوٓاْ إِلَٰهٗا وَٰحِدٗاۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ سُبۡحَٰنَهُۥ عَمَّا يُشۡرِكُونَ} (31)

29

ثم ينتقل السياق القرآني إلى صفحة أخرى من صحائف الانحراف الذي عليه أهل الكتاب ؛ تتمثل في هذه المرة لا في القول والاعتقاد وحدهما ؛ ولكن كذلك في الواقع القائم على الاعتقاد الفاسد :

( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون اللّه والمسيح ابن مريم . وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً ، لا إله إلا هو ، سبحانه عما يشركون ) . .

وفي هذه الآية استمرار في وجهة السياق في هذا المقطع من السورة . من إزالة الشبهة في أن هؤلاء أهل كتاب . . فهم إذن على دين اللّه . . فهي تقرر أنهم لم يعودوا على دين اللّه ، بشهادة واقعهم - بعد شهادة اعتقادهم - وأنهم أمروا بأن يعبدوا اللّه وحده ، فاتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون اللّه - كما اتخذوا المسيح ابن مريم رباً - وأن هذا منهم شرك باللّه . . تعالى اللّه عن شركهم . . فهم إذن ليسوا مؤمنين باللّه اعتقاداً وتصورا ؛ كما أنهم لا يدينون دين الحق واقعاً وعملاً .

وقبل أن نقول : كيف اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً ، نحب أن نعرض الروايات الصحيحة التي تضمنت تفسير رسول اللّه - [ ص ] - للآية . وهو فصل الخطاب .

الأحبار : جمع حَبر أو حِبر بفتح الحاء أو بكسرها ، وهو العالم من أهل الكتاب وكثر إطلاقه على علماء اليهود . . والرهبان : جمع راهب ، وهو عند النصارى المتبتل المنقطع للعبادة ؛ وهو عادة لا يتزوج ، ولا يزاول الكسب ، ولا يتكلف للمعاش .

وفي " الدر المنثور " . . روى الترمذي [ وحسنه ] وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في سننه وغيرهم عن عدي بن حاتم - رضي اللّه عنه - قال : أتيت النبي - [ ص ] - وهو يقرأ في سورة براءة : ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون اللّه )فقال : " أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم ، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئاً استحلوه . وإذا حرموا عليهم شيئاً حرموه " .

وفي تفسير ابن كثير : وروى الإمام أحمد والترمذي وابن جرير - من طرق - عن عدي بن حاتم - رضي اللّه عنه - أنه لما بلغته دعوة رسول اللّه - [ ص ] - فر إلى الشام ، وكان قد تنصر في الجاهلية فأسرت أخته وجماعة من قومه . ثم منّ رسول اللّه - [ ص ] - على أخته وأعطاها ، فرجعت إلى أخيها فرغبته في الإسلام ، وفي القدوم على رسول اللّه - [ ص ] - فقدم عدي المدينة - وكان رئيساً في قومه طيئ وأبوه حاتم الطائي المشهور بالكرم - فتحدث الناس بقدومه ، فدخل على رسول اللّه - [ ص ] - وفي عنق عدي صليب من فضة ، وهو يقرأ هذه الآية : ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون اللّه )قال : فقلت : إنهم لم يعبدوهم . فقال : " بلى ! إنهم حرموا عليهم الحلال ، وأحلوا لهم الحرام ، فاتبعوهم : فذلك عبادتهم إياهم . . . "

وقال السدي : استنصحوا الرجال ونبذوا كتاب اللّه وراء ظهورهم . ولهذا قال تعالى : ( وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً )أي الذي إذا حرم الشيء فهو الحرام ، وما حلله فهو الحلال ، وما شرعه اتبع ، وما حكم به نفذ .

وقال الألوسي في التفسير :

" الأكثرون من المفسرين قالوا : ليس المراد من الأرباب أنهم اعتقدوا أنهم آلهة العالم . بل المراد أنهم أطاعوهم في أوامرهم ونواهيهم " . .

ومن النص القرآني الواضح الدلالة ؛ ومن تفسير رسول اللّه - [ ص ] - وهو فصل الخطاب ، ثم من مفهومات المفسرين الأوائل والمتأخرين ، تخلص لنا حقائق في العقيدة والدين ذات أهمية بالغة نشير إليها هنا بغاية الاختصار .

أن العبادة هي الاتباع في الشرائع بنص القرآن وتفسير رسول اللّه - [ ص ] - فاليهود والنصارى لم يتخذوا الأحبار والرهبان أرباباً بمعنى الاعتقاد بألوهيتهم أو تقديم الشعائر التعبدية إليهم . . ومع هذا فقد حكم اللّه - سبحانه - عليهم بالشرك في هذه الآية - وبالكفر في آية تالية في السياق - لمجرد أنهم تلقوا منهم الشرائع فأطاعوها واتبعوها . . فهذا وحده - دون الاعتقاد والشرائع - يكفي لاعتبار من يفعله مشركا بالله ، الشرك الذي يخرجه من عداد المؤمنين ويدخله في عداد الكافرين .

أن النص القرآني يسوي في الوصف بالشرك واتخاذ الأرباب من دون الله ، بين اليهود الذين قبلوا التشريع من أحبارهم وأطاعوه واتبعوه ، وبين النصارى الذين قالوا بألوهية المسيح اعتقادا وقدموا إليه الشعائر في العبادة فهذه كتلك سواء في اعتبار فاعلها مشركا بالله ، الشرك الذي يخرجه من عداد المؤمنين ويدخله في عداد الكافرين . .

أن الشرك باللّه يتحقق بمجرد إعطاء حق التشريع لغير اللّه من عباده ؛ ولو لم يصحبه شرك في الاعتقاد بألوهيته ؛ ولا تقديم الشعائر التعبدية له . . كما هو واضح من الفقرة السابقة . . ولكنا إنما نزيدها هنا بيانا

وهذه الحقائق - وإن كان المقصود الأول بها في السياق هو مواجهة الملابسات التي كانت قائمة في المجتمع المسلم يومذاك من التردد والتهيب للمعركة مع الروم ، وجلاء شبهة أنهم مؤمنون باللّه لأنهم أهل كتاب - هي كذلك حقائق مطلقة تفيدنا في تقرير " حقيقة الدين " عامة . .

إن دين الحق الذي لا يقبل اللّه من الناس كلهم ديناً غيره هو " الإسلام " . . والإسلام لا يقوم إلا باتباع اللّه وحده في الشريعة - بعد الاعتقاد بألوهيته وحده وتقديم الشعائر التعبدية له وحده - فإذا اتبع الناس شريعة غير شريعة اللّه صح فيهم ما صح في اليهود والنصارى من أنهم مشركون لا يؤمنون باللّه - مهما كانت دعواهم في الإيمان - لأن هذا الوصف يلحقهم بمجرد اتباعهم لتشريع العباد لهم من دون اللّه ، بغير إنكار منهم يثبت منه أنهم لا يتبعون إلا عن إكراه واقع بهم ، لا طاقة لهم بدفعه ، وأنهم لا يقرون هذا الافتئات على اللّه . .

إن مصطلح " الدين " قد انحسر في نفوس الناس اليوم ، حتى باتوا يحسبونه عقيدة في الضمير ، وشعائر تعبدية تقام ! وهذا ما كان عليه اليهود الذين يقرر هذا النص المحكم - ويقرر تفسير رسول اللّه [ ص ]أنهم لم يكونوا يؤمنون باللّه ، وأنهم أشركوا به ، وأنهم خالفوا عن أمره بألا يعبدوا إلا إلهاً واحداً ، وأنهم اتخذوا أحبارهم أرباباً من دون اللّه .

إن المعنى الأول للدين هو الدينونة - أي الخضوع والاستسلام والاتباع - وهذا يتجلي في اتباع الشرائع كما يتجلي في تقديم الشعائر . والأمر جد لا يقبل هذا التميع في اعتبار من يتبعون شرائع غير اللّه - دون إنكار منهم يثبتون به عدم الرضا عن الافتئات على سلطان اللّه - مؤمنين باللّه ، مسلمين ، لمجرد أنهم يعتقدون بألوهية اللّه سبحانه ويقدمون له وحده الشعائر . . وهذا التميع هو أخطر ما يعانيه هذا الدين في هذه الحقبة من التاريخ ؛ وهو أفتك الأسلحة التي يحاربه بها أعداؤه ؛ الذين يحرصون على تثبيت لافتة " الإسلام " على أوضاع ، وعلى أشخاص ، يقرر الله سبحانه في أمثالهم أنهم مشركون لا يدينون دين الحق ، وأنهم يتخذون أربابا من دون الله . . وإذا كان أعداء هذا الدين يحرصون على تثبيت لافته الإسلام على تلك الأوضاع وهؤلاء الأشخاص ؛ فواجب حماة هذا الدين أن ينزعوا هذه اللافتات الخادعة ؛ وأن يكشفوا ما تحتها من شرك وكفر واتخاذ أرباب من دون اللّه . . ( وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون ) .

/خ35

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{ٱتَّخَذُوٓاْ أَحۡبَارَهُمۡ وَرُهۡبَٰنَهُمۡ أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُوٓاْ إِلَٰهٗا وَٰحِدٗاۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ سُبۡحَٰنَهُۥ عَمَّا يُشۡرِكُونَ} (31)

{ اتَّخَذُواْ أحبارهم } زيادة تقرير لما سلف من كفرهم بالله تعالى ، والأحبار علماء اليهود ، واختلف في واحده فقال الأصمعي : لا أدري أهو حبر أو حبر ، وقال أبو الهيثم : هو بالفتح لا غير ، وذكر ابن الأثير أنه بالفتح والكسر وعليه أكثر أهل اللغة ، والصحيح إطلاقه على العالم ذمياً كان أو مسلماً فقد كان يقال لابن عباس رضي الله تعالى عنهما الحبر ويجمع كما في «القاموس » على حبور أيضاً وكأنه مأخوذ من تحبير المعاني بحسن البيان عنها { ورهبانهم } وهم علماء النصارى من أصحاب الصوامع ، وهو جمع راهب وقد يقع على الواحد ويجمع على رهابين ورهابنة وفي «مجمع البيان » أن الراهب هو الخاشي الذي تظهر عليه الخشية وكثر إطلاقه على متنسكي النصارى وهو مأخوذ من الرهبة أي الخوف ، وكانوا لذلك يتخلون من أشغال الدنيا وترك ملاذها والزهد فيها والعزلة عن أهلها وتعمد مشاقها حتى أن منهم من كان يخصي نفسه ويضع السلسلة في عنقه وغير ذلك من أنواع التعذيب ، ومن هنا قال صلى الله عليه وسلم : " لا رهبانية في الإسلام " والمراد في الآية اتخذ كل من الفريقين علماءهم لا الكل الكل { أَرْبَابًا مّن دُونِ الله } بأن أطاعوهم في تحريم ما أحل الله تعالى وتحليل ما حرمه سبحانه وهو التفسير المأثور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقد روى الثعلبي . وغيره عن عدي بن حاتم قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب فقال : يا عدي اطرح عنك هذا الوثن وسمعته يقرأ في سورة براءة اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله فقلت له : يا رسول الله لم يكونوا يعبدونهم فقال عليه الصلاة والسلام . أليس يحرمون ما أحل الله تعالى فيحرمونه ويحلون ما حرم الله فيستحلون ؟ فقلت بلى . قال : ذلك عبادتهم . وسئل حذيفة رضي الله تعالى عنه عن الآية فأجاب بمثل ما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونظير ذلك قولهم : فلان يعبد فلاناً إذا أفرط في طاعته فهو استعارة بتشبيه الإطاعة بالعبادة أو مجاز مرسل بإطلاق العبادة وهي طاعة مخصوصة على مطلقها والأول أبلغ ، وقيل : اتخاذهم أرباباً بالسجود لهم ونحوه مما لا يصلح إلا للرب عز وجل وحينئذٍ فلا مجاز إلا أنه لا مقال لأحد بعد صحة الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . والآية ناعية على كثير من الفرق الضالة الذين تركوا كتاب الله تعالى وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام لكلام علمائهم ورؤسائهم والحق أحق بالاتباع فمتى ظهر وجب على المسلم اتباعه وإن أخطأه اجتهاد مقلده { والمسيح ابن مَرْيَمَ } عطف على { *رهبانهم } بأن اتخذوه رباً معبوداً أو بأن جعلوه ابناً لله كما يقتضيه سياق الآية على ما قيل وفيه نظر .

وتخصيص الاتخاذ به عليه السلام يشير إلى أن اليهود ما فعلوا ذلك بعزير ، وتأخيره في الذكر مع أن اتخاذهم له كذلك أقوى من مجرد الإطاعة في أمر التحليل والتحريم لأنه مختص بالنصارى ، ونسبته عليه السلام إلى أمه للإيذان بكمال ركاكة رأيهم والقضاء عليهم بنهاية الجهل والحماقة .

{ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ } أي والحال أن أولئك الكفرة ما أمروا في الكتب الإلهية وعلى ألسنة الأنبياء عليهم السلام { إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إلها واحدا } جليل الشأن وهو الله سبحانه ويطيعوا أمره ولا يطيعوا أمر غيره بخلافه فإن ذلك مناف لعبادته جل شأنه ، وأما إطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم وسائر من أمر الله بطاعته فهي في الحقيقة إطاعة لله عز وجل ، أو وما أمر الذين اتخذهم الكفرة أرباباً من المسيح عليه السلام والأحبار والرهبان إلا ليطيعوا أو ليوحدوا الله تعالى فكيف يصح أن يكونوا أرباباً وهم مأمورون مستعبدون مثلهم ، ولا يخفى أن تخصيص العبادة به تعالى لا يتحقق إلا بتخصيص الطاعة أيضاً به تعالى ومتى لم يخص به جل شأنه لم تخص العبادة به سبحانه { لاَ إله إِلاَّ هُوَ } صفة ثانية لإلهاً أو استئناف ، وهو على الوجهين مقرر للتوحيد وفيه على ما قيل فائدة زائدة وهو أن ما سبق يحتمل غير التوحيد بأن يؤمروا بعبادة إله واحد من بين الآلهة فإذا وصف المأمور بعبادته بأنه هو المنفرد بالألوهية تعين المراد ، وجوز أن يكون صفة مفسرة لواحداً { سبحانه عَمَّا يُشْرِكُونَ } تنزيله له أي تنزيه عن الإشراك به في العبادة والطاعة .

( ومن باب الإشارة ) :ثم إنه سبحانه ذم أهل الكتابين بالاحتجاب عن رؤية الحق سبحانه حيث قال جل شأنه : { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أَرْبَاباً مّن دُونِ الله } [ التوبة : 31 ] وفيه إشارة إلى ذم التقليد الصرف وذم البخلاء بقوله سبحانه : { والذين يَكْنِزُونَ الذهب والفضة } [ التوبة : 34 ] الآية ، ولعمري أنهم أحقاء بالذم ، وقد قال بعضهم : من بخل بالقليل من ملكه فقد سد على نفسه باب نجاته وفتح عليها طريق هلاكه .

ولا يخفى أن جمع المال وكنزه وعدم الإنفاق لا يكون إلا لاستحكام رذيلة الشح وكل رذيلة كية يعذب بها صاحبها في الآخرة ويخزى بها في الدنيا . ولما كانت مادة رسوخ تلك الرذيلة واستحكامها هي ذلك المال كان هو الذي يحمى عليه في نار جهنم الطبيعة وهاوية الهوى فيكوى صاحبه به ، وخصت هذه الأعضاء لأن الشح مركوز في النفس تغلب القلب من هذه الجهات لا من جهة العلو التي هي جهة استيلاء الروح وممد الحقائق والأنوار ولا من جهة السفلى التيهي جهة الطبيعة الجسمانية لعدم تمكن الطبيعة من ذلك فبقيت سائر الجهات فيؤذى بذلك من الجهات الأربع ويعذب ، وهذا كما تراه يعاب في الدنيا ويخزي من هذه الجهات فيواجه بالذم جهراً فيفضح أو يسار في جنبه أو يغتاب من وراء ظهره قاله بعض العارفين .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{ٱتَّخَذُوٓاْ أَحۡبَارَهُمۡ وَرُهۡبَٰنَهُمۡ أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُوٓاْ إِلَٰهٗا وَٰحِدٗاۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ سُبۡحَٰنَهُۥ عَمَّا يُشۡرِكُونَ} (31)

قوله تعالى : { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا } ، أي : علماءهم وقراءهم ، ولأحبار : العلماء ، وأحدها حبر ، وحبر بكسر الحاء وفتحها ، والرهبان من النصارى أصحاب الصوامع فإن قيل : إنهم لم يعبدوا الأحبار والرهبان ؟ قلنا : معناه أنهم أطاعوهم في معصية الله واستحلوا ما أحلوا وحرموا ما حرموا ، فاتخذوهم كالأرباب . روي عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال : " أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفى عنقي صليب من ذهب فقال لي ياعدي اطرح هذا الوثن من عنقك ، فطرحته ثم انتهيت إليه وهو يقرأ : { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله } ، حتى فرغ منها ، قلت له : إنا لسنا نعبدهم ، فقال : أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه ويحلون ما حرم الله فتستحلونه ؟ قال قلت : بلى ، قال : فتلك عبادتهم " . قال عبد الله بن المبارك :

وهل بدل الدين إلا الملوك وأحبار سوء ورهبانها

قوله تعالى : { والمسيح ابن مريم } ، أي : اتخذوه إلها .

قوله تعالى : { وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحداً لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون* }