في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَأَوۡحَىٰ رَبُّكَ إِلَى ٱلنَّحۡلِ أَنِ ٱتَّخِذِي مِنَ ٱلۡجِبَالِ بُيُوتٗا وَمِنَ ٱلشَّجَرِ وَمِمَّا يَعۡرِشُونَ} (68)

51

( وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ، ومن الشجرة ومما يعرشون ، ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا ، يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس . إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون ) . .

والنحل تعمل بإلهام من الفطرة التي أودعها إياها الخالق ، فهو لون من الوحي تعمل بمقتضاه . وهي تعمل بدقة عجيبة يعجز عن مثلها العقل المفكر سواء في بناء خلاياها ، أو في تقسيم العمل بينها ، أو في طريقة إفرازها للعسل المصفى .

وهي تتخذ بيوتها - حسب فطرتها - في الجبال والشجر وما يعرشون أي ما يرفعون من الكروم وغيرها - وقد ذلل الله لها سبل الحياة بما أودع في فطرتها وفي طبيعة الكون حولها من توافق .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَأَوۡحَىٰ رَبُّكَ إِلَى ٱلنَّحۡلِ أَنِ ٱتَّخِذِي مِنَ ٱلۡجِبَالِ بُيُوتٗا وَمِنَ ٱلشَّجَرِ وَمِمَّا يَعۡرِشُونَ} (68)

{ وأوحى رَبُّكَ إلى النحل } ألهمها وألقى في روعها وعلمها بوجه لا يعلمه إلا اللطيف الخبير ؛ وفسر بعضهم الإيحاء إليها بتسخيرها لما أريد منها ، ومنعوا أن يكون المراد حقيقة الإيحاء لأنه إنما يكون للعقلاء وليس التحل منها . نعم يصدر مها أفعال ويوجد فيها أحوال يتخيل بها أنها ذوات عقول وصاحبة فضل تقصر عنه الفحول ، فتراها يكون بينها واحد كالرئيس هو أعظمها جثة يكون نافذ الحكم على سائرها والكل يخدمونه ويحملون عنه وسمي اليعسوب والأمير ، وذكروا أنها إذا نفرت عن وكرها ذهبت بجمعيتها إلى موضع آخر فإذا أرادوا عودها إلى وكرها ضربوا لها الطبول وآلات الموسيقى ورودها بواسطة تلك الألحان إلى وكرها ، وهي تبني البيوت المسدسة من أضلاع متساوية والعقلاء لا يمكنهم ذلك إلا بآلات مثل المسطرة والفرجار وتختارها على غيرها من البيوت المشكلة بأشكال أخر كالمثلثات والمربعات والمخمسات وغيرها ، وفي ذلك سر لطيف فإنهم قالوا : فإنهم قالوا : ثبت في الهندسة أنها لو كانت مشكلة بأشكال أخر يبقى فيما بينها بالضرورة فرج خالية ضائعة ؛ ولها أحوال كثيرة عجيبة غير ذلك قد شاهدها كثير من الناس وسبحان من أعطى كل شيء خلقه ثم هدى . والصوفية على ما ذكره الشعراني في غير موضع لا يمنعون إرادة الحقيقة ، وقد أثبتوا في سائر الحيوانات رسلاً وأنبياء والشرع يأبى ذلك . وذهب بعض حكماء الإشراق إلى ثبوت النفس الناطقة لجميع الحيوانات وأكاد أسلم لهم ذلك ولم نسع عن أحد غير الصوفية القول بما سمعت عنهم ، والنحل جنس واحده نحلة ويؤنث في لغة الحجاز ولذلك قال سبحانه : { أَنِ اتخذى } وقرأ ابن وثاب { النحل } بفتحتين وهو يحتمل أن يكون لغة وأن يكون إتباعاً لحركة النون ، و { ءانٍ } إما مصدرية بتقدير بناء الملابسة أي بأن اتخذي أو تفسيرية وما بعدها مفسر للإيحاء لأن فيه باعتبار معناه المشهور معنى القول دون حروفه ، وذلك كاف في جعلها تفسيرية : وقد غفل عن ذلك أبو حيان أو لم يعتبره فقال : إن في ذلك نظراً لأن الوحي هنا بمعنى الإلهام إجماعاً وليس في الإلهام معنى القول { مِنَ الجبال بُيُوتًا } أوكاراً ، وأصل البيت مأوى الإنسان واستعمل هنا في الوكر الذي تبنيه النحل لتعسل فيه تشبيهاً له بما يبنيه الإنسان لما فيه من حسن الصنعة وصحة القسمة كما سمعت : وقرىء { بُيُوتًا } بكسر الباء لمناسبة الياء وإلا فجمع فعل على فعول بالضم .

{ وَمِنَ الشجر وَمِمَّا يَعْرِشُونَ } أي يعرشه الناس أي يرفعه من الكروم كما روى عن ابن زيد وغيره أو السقوف كما نقل عن الطبري أو أعم منهما كما قال البعض ، و { مِنْ } في المواضع الثلاثة للتبعيض بحسب الأفراد وبحسب الأجزاء فإن النحل لا يبني في كل شجر وكل جبل وكل ما يعرش ولا في كل مكان من ذلك ، وبعضهم قال : إن { مِنْ } للتبعيض بحسب الأفراد فقط ، والمعنى الآخر معلوم من خارج لا من مدلول { مِنْ } إذ لا يجوز استعمالها فيهما ولمولانا ابن كمال تأليف مفرد في المسألة ليراجع ، وأياً ما كان ففيه مع ما يأتي قريباً إن شاء الله تعالى من البديع صنعة الطبقا ، وتفسير البيوت بيما تبنيه هو الذي ذهب إليه غير واحد ، وقال أبو حيان : الظاهر أنها عبارة عن الكوى التي تكون في الجبال وفي متجوف الأشجار والخلايا التي يصنعها ابن آدم للنحل والكوى التي تكون في الحيطان ، ولما كان النحل نوعين منه ما مقره في الجبال والغياض ولا يتعهده أحد ومنه ما يكون في بيوت الناس ويتعهده في الخلايا ونحوها شمل الأمر بالاتخاذ البيوت النوعين .

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ وأوحى رَبُّكَ إلى النحل } قيل أي نحل الأرواح { أَنِ اتخذي مِنَ الجبال } أي جبال أنوار الذات { بُيُوتًا } مقار لتسكنين فيها { وَمِنَ الشجر } أي ومن أشجار أنوار الصفات { وَمِمَّا يَعْرِشُونَ } [ النحل : 68 ] أنوار عروش الأفعال

 
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{وَأَوۡحَىٰ رَبُّكَ إِلَى ٱلنَّحۡلِ أَنِ ٱتَّخِذِي مِنَ ٱلۡجِبَالِ بُيُوتٗا وَمِنَ ٱلشَّجَرِ وَمِمَّا يَعۡرِشُونَ} (68)

شرح الكلمات :

{ وأوحى ربك إلى النحل } : أي : ألهمها أن تفعل ما تفعله بإلهام منه تعالى .

{ ومما يعرشون } : أي يبنون لها .

المعنى :

/د67

وقوله : { وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتاً ومن الشجر ومما يعرشون } ، هذا مظهر آخر عظيم من مظاهر قدرة الله تعالى وعلمه وحكمته ورحمته ، يتجلى بإعلامه حشرة النحل كيف تلد العسل ، وتقدمه للإنسان فيه دواء من كل داء ، فقوله : { وأوحى ربك } ، أيها الرسول { إلى النحل } ، بأن ألهمها . { أن اتخذي من الجبال بيوتاً ومن الشجر } ، أيضاً بيوتاً ، { ومما يعرشون } ، أي : ومما يعرش الناس لك ، أي : يبنون لك ، اتخذي من ذلك بيوتاً لك ؛ إذ النحلة تتخذ لها بيتاً داخل العريش الذي يعرش لها ، تبنيه بما تفرزه من الشمع

/ذ70