في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{قُلۡ فَأۡتُواْ بِكِتَٰبٖ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ هُوَ أَهۡدَىٰ مِنۡهُمَآ أَتَّبِعۡهُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ} (49)

44

ومع هذا فهو يسير معهم خطوة أخرى في الإفحام والإحراج . يقول لهم : إن لم يكن يعجبكم القرآن ، ولم تكن تعجبكم التوراة ؛ فإن كان عندكم من كتب الله ما هو أهدى من التوراة والقرآن فأتوا به أتبعه :

( قل : فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه . إن كنتم صادقين ) !

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{قُلۡ فَأۡتُواْ بِكِتَٰبٖ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ هُوَ أَهۡدَىٰ مِنۡهُمَآ أَتَّبِعۡهُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ} (49)

{ قُلْ فَأْتُواْ بكتاب مّنْ عِندِ الله هُوَ أهدى مِنْهُمَا } أي مما أوتياه من القرآن والتوراة { أَتَّبِعْهُ } أي إن تأتوا به أتبعه فالفعل مجزوم بجواب الأمر ومثل هذا الشرط يأتي به من يدل بوضوح حجته لأن الاتيان بما هو أهدى من الكتابين أمر بين الاستحالة فيوسع دائرة الكلام للتبكيت والإلزام وإيراد كلمة { إن } في قوله تعالى : { إِن كُنتُمْ صادقين } أي في أنهما سحران مختلقان مع امتناع صدقهم نوع تهكم بهم ، وقرأ زيد بن علي أتبعه بالرفع على الاستئناف أي أنا أتبعه . وقال الزمخشري : الحق الرسول المصدق بالكتاب المعجز مع سائر المعجزات يعني أن المقام مقام أن يقال فلما جاءهم أي الرسول أو فلما جاءهم الرسول لكن عدل عن ذلك لإفادة تلك المعاني وما أوتي موسى بما هو أعم من الكتاب المنزل جملة واحدة واليد والعصا وغيرهما من آياته عليه السلام ، وتعقب بأنه لا تعلق للمعجزات من اليد ونحوها بالمقام وكذا لا تعلق لغير القرآن من معجزات نبينا صلى الله عليه وسلم به ويرشد إلى ذلك ظاهر قوله تعالى : { قُلْ فَأْتُواْ } الخ .

وجوز أن يكون ضميراً جَاءهُمُ و { قَالُواْ } [ القصص : 48 ] اجمعين إلى أهل مكة الموجودين وضمير { يَكْفُرُواْ } وكذا ضمير { قَالُواْ } في الموضعين راجع إلى جنس الكفرة المعلوم من السياق والمراد بهم الكفرة الذين كانوا في عهد موسى عليه السلام و { مِن قَبْلُ } [ القصص : 48 ] متعلق بيكفروا لا بأوتي لعدم ظهور الفائدة والمراد بسحرين أو ساحران موسى وهارون عليهما السلام كما روي عن مجاهد ، وإطلاق سحرين عليهما للمبالغة أو هو بتقدير ذوا سحرين ، والمعنى أو لم يكفر أبناء جنسهم من قبلهم بما أوتي موسى عليه السلام كما كفروا هم بما أوتيته وقال أولئك الكفرة هما أي موسى وهارون سحران أو ساحران تظاهرا ، وقيل : يجوز أن تكون الضمائر راجعة إلى الموجودين والكفر والقول المذكور لأولئك السابقين حقيقة وإسنادهما إلى الموجودين مجازي لما بين الطائفتين من الملابسة .

وقيل بناء على ما روي عن الحسن : من أنه كان للعرب أصل في أيام موسى عليه السلام إن المعنى أو لم يكفر آباؤهم من قبل أن يرسل محمد صلى الله عليه وسلم بما أوتي موسى قالوا هما أي موسى وهارون سحران أو ساحران تظاهرا فهو على أسلوب { وَإِذْ نجيناكم مّنْ ءالِ فِرْعَوْنَ } [ البقرة : 49 ] ونحوه ويفيد الكلام عليه أن قدمهم في الكفر من الرسوخ بمكان ، ولهم في العناد عرق أصيل وكون العرب لهم أصل في أيام موسى عليه السلام مما لا شبهة فيه حتى قيل : إن فرعون كان عربياً من أولاد عاد لكن في حسن تخريج الآية على ذلك كلام ، وأنت تعلم أن كل هذه الأوجه ليست مما ينشرح له الصدر وفيها من التكلف ما فيها .

وادعى أبو حيان ظهور رجوع ضمير { يكفروا } [ القصص : 48 ] وكذا ضمير قالوا إلى قريش الذين قالوا { لولا أوتي مثل ما أوتي موسى } [ القصص : 48 ] وأن نسبة ذلك إليهم لما أن تكذيبهم لمحمد صلى الله عليه وسلم تكذيب لموسى عليه السلام ونسبتهم السحر للرسول نسبتهم إياه لموسى وهارون عليهما السلام إذ الأنبياء عليهم السلام من واد واحد فمن نسب إلى أحد منهم ما لا يليق كان ناسباً ذلك إلى جميعهم فلا يحتاج إلى توسيط حكاية الرهط في أمر النسبة ، وعليه يجوز أن يراد بكل كل واحد من الأنبياء عليهم السلام ، ولا يخفى أن ما ادعاه من ظهور رجوع الضمير إلى ما ذكر أمر مقبول عند منصفي ذوي العقول ، لكن توجيه نسبة الكفر والقول المبين لكيفيته مما ذكر مما يبعد قبوله ، وكأنه إنما احتاج إليه لعدم ثبوت حكاية الرهط عنده ، وعن قتادة أنه فسر السحران بالقرآن والإنجيل ؛ والساحر أن بمحمد وعيسى عليهما الصلاة والسلام وجعل ذلك القول قول أعداء الله تعالى اليهود ، وتفسير الساحرين بذلك مروي عن الحسن ، وروي عنه أيضاً أنه فسرهما بموسى وعيسى عليهما السلام والكل كما ترى ، وتفسيرهما بمحمد وموسى عليهما الصلاة والسلام مما رواه البخاري في تاريخه وجماعة عن ابن عباس .

وأخرج ابن أبي حاتم عن عاصم الجحدري أنه كان يقرأ سحران ويقول هما كتابان الفرقان والتوراة ألا تراه سبحانه يقول : { فَأْتُواْ بكتاب مّنْ عِندِ الله هُوَ أهدى مِنْهُمَا } .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{قُلۡ فَأۡتُواْ بِكِتَٰبٖ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ هُوَ أَهۡدَىٰ مِنۡهُمَآ أَتَّبِعۡهُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ} (49)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

يقول الله عز وجل لمحمد صلى الله عليه وسلم: {قل} لكفار مكة {فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى} لأهله {منهما أتبعه إن كنتم صادقين} بأنهما ساحران تظاهرا.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد للقائِلين للتوراة والإنجيل: هما سحران تظاهرا:"ائتوا بكتاب من عند الله، هو أهدى منهما" لطريق الحقّ، ولسبيل الرشاد "أتّبِعْهُ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ "فِي زعمكم أن هذين الكتابين سحران، وأن الحقّ في غيرهما.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{هُوَ أهدى مِنْهُمَا} مما أنزل على موسى عليه السلام ومما أنزل عليّ. هذا الشرط من نحو ما ذكرت أنه شرط المدل بالأمر المتحقق لصحته؛ لأنّ امتناع الإتيان بكتاب أهدى من الكتابين أمر معلوم متحقق لا مجال فيه للشكّ. ويجوز أن يقصد بحرف الشكّ التهكم بهم.

تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :

وكثيرًا ما يقرن الله بين التوراة والقرآن، كما في قوله تعالى {قُلْ مَنْ أَنزلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ} إلى أن قال: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنزلْنَاهُ مُبَارَكٌ} [الأنعام: 91، 92]، وقال في آخر السورة: {ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ}، إلى أن قال: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنزلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأنعام: 155]، وقالت الجن: {إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى [مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ]} [الأحقاف: 30] وقال ورقة بن نوفل: هذا الناموس الذي أنزل [الله] على موسى. وقد علم بالضرورة لذوي الألباب أن الله لم ينزل كتابًا من السماء فيما أنزل من الكتب المتعددة على أنبيائه أكمل ولا أشمل ولا أفصح ولا أعظم ولا أشرف من الكتاب الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، وهو القرآن، وبعده في الشرف والعظمة الكتاب الذي أنزله على موسى بن عمران، عليه السلام، وهو التوراة التي قال الله تعالى فيها: {إِنَّا أَنزلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ} [المائدة: 44]. والإنجيل إنما نزل متمما للتوراة ومُحلا لبعض ما حُرّم على بني إسرائيل. ولهذا قال تعالى: {قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} أي: فيما تدافعون به الحق وتعارضون به من الباطل.

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

ولما قالوا ذلك، كان كأنه قيل: فماذا فعل؟ قال: {قل} إلزاماً لهم إن كنتم صادقين في أني ساحر وكتابي سحر وكذلك موسى عليه الصلاة والسلام: {فأتوا بكتاب} وأشار بالتعبير في وصفه بعند دون لدن إلى أنه يقنع منهم بكونه حكيماً خارقاً للعادة في حكمته وإن لم يبلغ الذروة في الغرابة بأن انفك عن الإعجاز في نظمه كالتوراة فقال: {من عند الله} أي الملك الأعلى، ينطق بأنه من عنده أحواله وحكمته وجلاله {هو} أي الذي أتيتم به {أهدى منهما} أي مما أتيت به ومما أتى به موسى {أتبعه} أي واتركهما.

ولما أمرهم بأمره بالإتيان، ذكر شرطه من باب التنزل، لإظهار النصفة، وهو في الحقيقة تهكم بهم فقال: {إن كنتم} أيها الكفار! كوناً راسخاً {صادقين} أي في أنا ساحران، فائتوا ما ألزمتكم به.

محاسن التأويل للقاسمي 1332 هـ :

ثم أشار تعالى إلى أن الآية العظمى للنبي صلوات الله عليه، وهي الآيات النفسية العلمية، لا الكونية الآفاقية التي كانت لغيره، جريا على سنة الارتقاء. فإن النوع الإنساني كان، لما جاء الإسلام قد استعد إلى معرفة الحق من الباطل بالبرهان، والتمييز بين الخير والشر بالدليل والحجة. وكان لا بد له في هذا الطور من معلم ومرشد، كما في الأطوار الأخرى، أرسل الله إليه رسولا يهديه إلى طرق النظر والاستدلال، ويأمره بأن يرفض التقليد البحت والتسليم الأعمى. وأن لا يأخذ شيئا إلا بدليل وبرهان، يوصل إلى العلم. فكانت عمدته صلى الله عليه وسلم في الاستدلال على نبوته ورسالته نفسه الكريمة، وما جاء به من النور والهدى، كالطبيب الذي يستدل على إتقانه صناعة الطب، بما يبديه من العلم والعمل الناجح فيها. وقد بسط هذا في مواضعه. وهذا معنى قوله تعالى: {قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}. {قُلْ} أي لهؤلاء الجاحدين: قد مضى دور الخوارق التي تقترحونها، ونسخ تعالى من تلك الآيات بما أتى بخير منها، وهو آية الهداية التي تصلح بها قلوب العالمين. والذكرى التي تزع النفوس عن الشر، وتحملها على الخير. بحيث يظهر أثرها الحسن في المؤمنين، ويحق الشقاء على الجاحدين المعاندين. فإن يك هذا سحرا، ولديكم ما هو أهدى {فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا} أي من التوراة والقرآن {أَتَّبِعْهُ} أي ولا أعاندكم مثل ما تعاندونني {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} أي في أنهما سحران مختلقان. أو في أنه يمكن الإتيان بما هو أهدى منهما.

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

وهذا يعني منهجين: منهج حق جاء به محمد، ومنهج باطل يصرون هم عليه، وهذا التحدي من سيدنا رسول الله للكفار يعني أنه لا يوجد كتاب أهدى مما جاء به، لا عند القوم، ولا عند من سيأتي من بعدهم، وحين يقر لهم رسول الله بإمكانية وجود كتاب أهدى من كتابه يطمعهم في طلبه، فإذا طلبوه لم يجدوا كتابا أهدى منه، فيعرفوا هم الحقيقة التي لم ينطق بها رسول الله. وهل يستطيع بشر أن يضع للناس منهجا أهدى من منهج الله؟ إذن: يقول لهم: {إن كنتم صادقين49} [القصص] وهو يعلم أنهم غير صادقين، لأن الله تعالى جعل محمدا صلى الله عليه وسلم خاتم الرسل، فلن يأتي رسل بعده، بحيث يأتي الرسول فتستدركوا عليه فيأتي آخر بكتاب جديد، وأنتم لن تستطيعوا أن تأتوا بكتاب من عند أنفسكم.

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

لقد كانوا يتكلمون ويعارضون من موقع اللاّحجة، ولهذا كان الأسلوب الأمثل في مواجهتهم هو أن يُطلَق التحدي في وجوههم ليقفوا في موقف الحيرة التي تمثل حالةً من الضعف الذي يجعلهم حائرين مذهولين، {قُلْ فَأْتُواْ بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَآ أَتَّبِعْهُ} إن الذي يكفر بكلا الكتابين، لا بد من أن يكون منطلقاً من وجهة نظر في معرفة عناصر الهدى في الفكر والمنهج والعمل، من خلال موازين الحق والباطل، فإذا كان رفضكم لكلّ منهما على أساس أن أيّاً منهما لا يمثّل الحق، فلا بد من أن يكون الحق في غيرهما، لأن الله لا يمكن أن يترك الساحة فراغاً من الحق. وهنا يفرض السؤال نفسه: أين الكتاب الآخر النازل من عند الله، في ما ينزل على عباده من الحق حتى نتبعه إذا ثبت لديكم أنه الأفضل والأهدى؟! {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} في دعواكم، وفي منطقكم المثير.