ذلك كله حين يحين الموعد الذي يستعجلون . . فأما لو تركوا في الأرض ، وعمروا طويلاً وأمهلهم الوعد المرسوم بعض حين ؛ فإنهم صائرون إلى شر يحمدون معه التعجيل . . إنهم صائرون إلى شيخوخة وهرم ، ثم إلى خرف ونكسة في الشعور والتفكير :
( ومن نعمره ننكسه في الخلق . أفلا يعقلون ) . .
والشيخوخة نكسة إلى الطفولة . بغير ملاحة الطفولة وبراءتها المحبوبة ! وما يزال الشيخ يتراجع ، وينسى ما علم ، وتضعف أعصابه ، ويضعف فكره ، ويضعف احتماله ، حتى يرتد طفلاً . ولكن الطفل محبوب اللثغة ، تبسم له القلوب والوجوه عند كل حماقة . والشيخ مجتوى لا تقال له عثرة إلا من عطف ورحمة ، وهو مثار السخرية كلما بدت عليه مخايل الطفولة وهو عجوز . وكلما استحمق وقد قوست ظهره السنون !
فهذه العاقبة كتلك تنتظر المكذبين ، الذين لا يكرمهم الله بالإيمان الراشد الكريم . .
{ وَمَن نّعَمّرْهُ } أي نطل عمره .
{ نُنَكّسْهُ فِى الخلق } نقلبه فيه فلا يزال يتزايد ضعفه وانتقاص بنيته وقواه عكس ما كان عليه بدء أمره ، وفيه تشبيه التنكيس المعنوي بالتنكيس الحسي واستعارة الحسي له ، وعن سفيان أن التنكيس في سن ثمانين سنة ، والحق أن زمان ابتداء الضعف وانتقاص البنية مختلف لاختلاف الأمزجة والعوارض كما لا يخفى .
والكلام عطف على قوله تعالى : { وَلَوْ نَشَاء لَطَمَسْنَا } [ يس : 66 ] الخ عطف العلة على المعلول لأنه كالشاهد لذلك .
وقرأ جمع من السبعة { نُنَكّسْهُ } مخففاً من الإنكاس { أَفَلاَ يَعْقِلُونَ } أي أيرون ذلك فلا يعقلون أن من قدر على ذلك يقدر على ما ذكر من الطمس والمسخ وأن عدم إيقاعهما لعدم تعلق مشيئته تعالى بهما .
ثم بين - سبحانه - أحوال الإِنسان عندما يتقدم به العمر فقال : { وَمَن نُّعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الخلق أَفَلاَ يَعْقِلُونَ }
وقوله : { نُّعَمِّرْهُ } من التعمير . بمعنى إطالة العمر .
قال القرطبى : وقوله : { نُنَكِّسْهُ } قرأه عاصم وحمزة - بضم النون الأولى وتشديد الكاف - من التنكيس . وقرأه الباقون : { نَنْكُسُه } - بفتح النون الأولى وضم الكاف - من نكست الشئ أنكُسُه نَكْساً إذا قلبته على رأسه فانتكس .
قال قتادة : المعنى : أنه يصير إلى حال الهرم الذى يشبه حال الصبا . . . قال الشاعر :
من عشا أَخْلَقَت الأيام جِدَّتَه . . . وخانه ثقتاه السمع والبصر
فطول العمر يصير الشباب هَرَما ، والقوة ضعفا ، والزيادة نقصا . . وقد استعاذ النبى صلى الله عليه وسلم من أن يرد إلى أرذل العمر .
والمعنى : " ومن نطل عمره ننكسه فى الخلق " أى : نرده إلى أرذل العمر ، فنجعله - بقدرتنا - ضعيفا بعد أن كان قويا ، وشيخا بعد أن كان شابا فتيا ، وناقص العقل بعد أن كان مكتمله . . . { أَفَلاَ يَعْقِلُونَ } ذلك - أيها الناس - مع أنه من الأمور المشاهدة أمام أبصاركم ، وتعرفون أن من قدر على تحويل الإِنسان من ضعف إلى قوة ، ومن قوة إلى ضعف . . قادر - أيضاً - على إعادته إلى الحياة مرة أخرى بعد موته .
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : { الله الذي خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَهُوَ العليم القدير } وقوله - سبحانه - { وَمِنكُمْ مَّن يُرَدُّ إلى أَرْذَلِ العمر لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً } وبذلك نرى الآيات الكريمة ، قد هددت الكافرين بسوء المصير إذا استمروا فى كفرهم ، وبينت جانباً من فضل الله - تعالى - عليهم ، لعلهم يفيئون إلى رشدهم ، ويشكرونه على نعمه .
قوله تعالى : { وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ ( 68 ) وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآَنٌ مُبِينٌ ( 69 ) لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ } .
{ نُنَكِّسْهُ } من التنكيس وهو القلب . أو جعل الشيء أعلاه أسفله . نكسه ، أي قلبه على رأسه . ويقرأ القرآن منكوسا : أي يبتدئ به منن آخره ويختم بالفاتحة ، أو من آخر السورة فيقرأها إلى أولها مقلوبا{[3925]}
ذلك بيان من الله عن بالغ إرادته وعظيم قدرته في الخلق ، وهو هنا تنكيس المعمَّر ، وهو قلبه وجعله على عكس ما خلقه أولا ؛ وذلك أن الله – عز وعلا – خلق الإنسان ضعيفا في الجسد خُلوا من العقل والفهم والعلم . ثم جعله يمر في أطوار وينتقل من حال إلى حال حتى يبلغ أشده ويستكمل قوته من بسطة الجسم والعقل ثم يأخذ في تنكيسه في الخلق فيأخذ في التناقص والضعف شيئا فشيئا حتى يعود إلى حال شبيهة بحاله في الصبا من حيث الضعف في الجسد وهوان العقل وبساطة الفهم .
إن ذلك كله دليل ظاهر على أن الله – جلا وعلا – هو القوي المقتدر وأنه الصانع الحكيم الذي يفعل ما يشاء . وهو قوله : { وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ } أي من نطلْ عمره { نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ } يعني نقلبه فلا يزاد ضعفه في تزايد ، وقواه في انتقاص حتى يُفْضي إلى الهرم الشديد ثم الموت المحتوم .
قوله : { أَفَلا يَعْقِلُونَ } أفلا يتدبرون هذه الظاهرة ليعلموا أن الله قادر على كل شيء ، وأنهم مخلوقون للحياة الآخرة وهي دار القرار والبقاء عقب رحيلهم عن هذه الدار وهي دار الزوال والفناء .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.