في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَقَالُواْ لَوۡلَا يَأۡتِينَا بِـَٔايَةٖ مِّن رَّبِّهِۦٓۚ أَوَلَمۡ تَأۡتِهِم بَيِّنَةُ مَا فِي ٱلصُّحُفِ ٱلۡأُولَىٰ} (133)

99

وقرب ختام السورة يعود بالحديث إلى أولئك الكبراء الممتعين المكذبين ، الذين يطلبون إلى الرسول [ ص ] بعدما جاءهم بهذا القرآن أن يأتيهم بآية من ربه : هذا القرآن الذي يبين ويوضح ما جاءت به الرسالات قبله :

( وقالوا : لولا يأتينا بآية من ربه . أو لم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى ? ) . .

فليس إلا التعنت وإلا المكابرة والرغبة في الاقتراح هي التي تملي مثل هذا الاقتراح وإلا فآية القرآن كافية . وهو يصل حاضر الرسالة بماضيها ، ويوحد طبيعتها واتجاهها ، ويبين ويفصل ما أجمل في الصحف الأولى .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَقَالُواْ لَوۡلَا يَأۡتِينَا بِـَٔايَةٖ مِّن رَّبِّهِۦٓۚ أَوَلَمۡ تَأۡتِهِم بَيِّنَةُ مَا فِي ٱلصُّحُفِ ٱلۡأُولَىٰ} (133)

{ وَقَالُواْ لَوْلاَ يَأْتِينَا بِئَايَةٍ مّن رَّبّهِ } حكاية لبعض أقاويلهم الباطلة التي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصبر عليها أي هلا يأتينا بآية تدل على صدقه في دعوى النبوة أو بآية من الآيات التي اقترحوها لا على التعيين بلغوا من المكابرة والعناد إلى حيث لم يعدوا ما شاهدوا من المعجزات التي تخر لها صم الجبال من قبيل الآيات حتى اجترؤا على التفوه بهذه العظيمة الشنعاء .

وقوله تعالى : { أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيّنَةُ مَا في الصحف الأولى } رد من جهته تعالى لمقالتهم القبيحة وتكذيب لهم فما دسوا تحتها من إنكار إتيان الآية بإتيان القرآن الكريم الذي هو أم الآيات وأس المعجزات وأرفعها وأنفعها لأن حقيقة المعجزة الأمر الخارق للعادة يظهر على يد مدعي النبوة عند التحدي أي أمر كان ولا ريب في أن العلم أجل الأمور وأعلاها إذ هو أصل الأعمال ومبدأ الأفعال وبه تنال المراتب العلية والسعادة الأبدية ، ولقد ظهر مع حيازته لجميع علوم الأولين والآخرين على يد من لم يمارس شيئاً من العلوم ولم يدارس أحداً من أهلها أصلاً فأي معجزة تراد بعد وروده ، وأية آية تطلب بعد وفوده ، فالمراد بالبينة القرآن الكريم ، والمراد بالصحف الأولى التوراة والإنجيل وسائل الكتب السماوية وبما فيها العقائد الحقة وأصول الأحكام التي اجمعت عليها كافة الرسل عليهم السلام ، ومعنى كونه بينة لذلك كونه شاهداً بحقيته ، وفي إيراده بهذا العنوان ما لا يخفى من التنويه بشأنه والإنارة لبرهانه حيث أشار إلى امتيازه وغناه عما يشهد بحقية ما فيه بإعجازه . وإسناد الإتيان إليه مع جعلهم إياه مأتياً به للتنبيه على أصالته فيه مع ما فيه من المناسبة للبينة ، والهمزة لإنكار الوقوع والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام كأنه قيل : ألم يأتهم سائر الآيات ولم يأتهم خاصة بينة ما في الصحف الأول تقريراً لإتيانه وإيذاناً بأنه من الوضوح بحيث لا يتأتى منهم إنكار أصلاً : وإن اجترؤا على إنكار سائر الآيات مكابرة وعناداً ، وتفسير الآية بما ذكر هو الذي تقتضيه جزالة التنزيل .

وزعم الإمام . والطبرسي أن المعنى أو لم يأتهم في القرآن بيان ما في الكتب الأولى من أنباء الأمم التي أهلكناهم لما اقترحوا الآيات ثم كفروا بها فماذا يؤمنهم أن يكون حالهم في سؤال الآية بقولهم { لَوْلاَ يَأْتِينَا بِئَايَةٍ } كحال أولئك الهالكين اه . وهو بمعزل عن القبول كما لا يخفى على ذوى العقول . وقرأ أكثر السبعة . وأبو بحرية وابن محيصن . وطلحة . وابن أبي ليلى . وابن مناذر . وخلف . وأبو عبيد . وابن سعدان . وابن عيسى . وابن جبير الأنطاكي { يَأْتِهِمْ } بالياء التحتانية لمجاز تأنيث الآية والفصل .

وقرأت فرقة منهم أبو زيد عن أبي عمرو { بَيّنَةً } بالتنوين على أن { مَا } في القرآن من الناسخ والفضل مما لم يكن في غيره من الكتب وهو كما ترى . وقرأت فرقة بنصب { بَيّنَةً } والتنوين على أنه حال ، و { مَا } فاعل . وقرأت فرقة منهم ابن عباس «الصحف » بإسكان الحاء للتخفيف ، وقوله تعالى :

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{وَقَالُواْ لَوۡلَا يَأۡتِينَا بِـَٔايَةٖ مِّن رَّبِّهِۦٓۚ أَوَلَمۡ تَأۡتِهِم بَيِّنَةُ مَا فِي ٱلصُّحُفِ ٱلۡأُولَىٰ} (133)

ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بإيراد بعض الشبهات التى أثراها المشركون حول النبى - صلى الله عليه وسلم - ورد عليها بما يبطلها فقال - تعالى - : { وَقَالُواْ لَوْلاَ . . . } .

مرادهم بالآية فى قوله - سبحانه - : { وَقَالُواْ لَوْلاَ يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِّن رَّبِّهِ } معجزة حية من المعجزات التى اقترحوها عليه - صلى الله عليه وسلم - كتفجير الأنهار حول مكة ، وكرقيه إلى السماء ، وكنزول الملائكة معه . .

أى : وقال الكافرون على سبيل التعنت والعناد للرسول - صلى الله عليه وسلم - هلا أتيت لنا يا محمد بآية من الآيات التى طلبناها منك ، أو بآية من الآيات التى أتى بها الأنبياء من قبلك ، كالعصا بالنسبة لموسى ، والناقة بالنسبة لصالح .

فهم - كما يقول الآلوسى - : " بلغوا من المكابرة والعناد إلى حيث لم يعدوا ما شاهدوا من المعجزات التى تخر لها صم الجبال ، من قبيل الآيات ، حتى اجترأوا على التفوه بهذه العظيمة الشنعاء .

وقوله - سبحانه - : { أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصحف الأولى } رد على جهالاتهم وجحودهم .

والمراد بالبينة القرآن الكريم الذى هو أم الآيات ، ورأس المعجزات .

والمراد بالصحف الأولى : الكتب السماوية السابقة كالتوراة والإنجيل والزبور .

والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام ، والاستفهام لتقرير الإتيان وثوبته .

والمعنى : أجهلوا ولم يكفهم اشتمال القرآن الذى جئت به - أيها الرسول الكريم - على يان ما فى الصحف الأولى التى أنزلناها على الرسل السابقين ، ولم يكفهم ذلك فى كونه معجزة حتى طلبوا غيرها ؟ .

قال صاحب الكشاف : اقترحوا على عادتهم فى التعنت آية على النبوة ، فقيل لهم : أو لم تأتكم أية من أم الآيات وأعظمها فى باب الإعجاز ، يعنى القرآن ، من جهة أن القرآن برهان ما فى سائر الكتب المنزلة ، ودليل صحته لأن معجزة ، وتلك ليست بمعجزات ، فهى مفتقرة إلى شهادته على صحة ما فيها ، افتقار المحتج عليه إلى شهادة الحجة .

وقال ابن كثير : قوله : { أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصحف الأولى } يعنى : القرآن العظيم ، الذى أنزله الله - تعالى - عليه - صلى الله عليه وسلم - وقد جاء فيه أخبار الأولين بما كان منهم فى سالف الدهور ، بما يوافقه عليه الكتب المتقدمة الصحيحة منها ، فإن القرآن مهيمن عليها . . .

وهذه الآية كقوله - تعالى - : { وَقَالُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الآيات عِندَ الله وَإِنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الكتاب يتلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلك لَرَحْمَةً وذكرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } وفى الصحيح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " ما من نبى إلا وقد أوتى من الآيات ما آمن على مثله البشر ، وإنما كان الذى أوتيته وحيا أوحاه الله إلى ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة " .

ومنهم من يرى أن المراد بالبينة : الكتب السماوية السابقة .

فيكون المعنى : أو لم يكف هؤلاء الجاهلين أن الكتب السماوية السابقة كالتوراة والإنجيل قد بشرت بك وبينت نعوتك وصفاتك ، وهم معترفون بصدقها ، فكيف لا يقرون بنبوتك .

قال القرطبى : وقوله : { أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصحف الأولى } يريد التوراة والإنجيل والكتب المتقدمة ، وذلك أعظم آية إذ أخبر بها فيها . وقيل : أو لم تأتهم الآية الدالة على نبوته بما وجدوه فى الكتب المتقدمة من البشارة . . .

وعلى كلا التفسيرين فالآية الكريمة شهادة من الله - تعالى - بصدق النبى - صلى الله عليه وسلم - فيما بلغه عنه ، ورد مبطل لشبهات الكافرين ولأقوالهم الباطلة ، وإن كان تفسير البينة هنا بالقرآن أظهر وأوضح .