في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلۡأَرۡضِ لِيُفۡسِدَ فِيهَا وَيُهۡلِكَ ٱلۡحَرۡثَ وَٱلنَّسۡلَۚ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلۡفَسَادَ} (205)

204

حتى إذا جاء دور العمل ظهر المخبوء ، وانكشف المستور ، وفضح بما فيه من حقيقة الشر والبغي والحقد والفساد :

( وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ، ويهلك الحرث والنسل ، والله لا يحب الفساد )

وإذا انصرف إلى العمل ، كانت وجهته الشر والفساد ، في قسوة وجفوة ولدد ، تتمثل في إهلاك كل حي من الحرث الذي هو موضع الزرع والإنبات والأثمار ، ومن النسل الذي هو امتداد الحياة بالإنسال . . وإهلاك الحياة على هذا النحو كناية عما يعتمل في كيان هذا المخلوق النكد من الحقد والشر والغدر والفساد . . مما كان يستره بذلاقة اللسان ، ونعومة الدهان ، والتظاهر بالخير والبر والسماحة والصلاح . . ( والله لا يحب الفساد ) ولا يحب المفسدين الذين ينشئون في الأرض الفساد . . والله لا تخفى عليه حقيقة هذا الصنف من الناس ؛ ولا يجوز عليه الدهان والطلاء الذي قد يجوز على الناس في الحياة الدنيا ، فلا يعجبه من هذا الصنف النكد ما يعجب الناس الذين تخدعهم الظواهر وتخفى عليهم السرائر .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلۡأَرۡضِ لِيُفۡسِدَ فِيهَا وَيُهۡلِكَ ٱلۡحَرۡثَ وَٱلنَّسۡلَۚ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلۡفَسَادَ} (205)

{ وَإِذَا تولى } أي أدبر وأعرض قاله الحسن ، أو إذا غلب وصار والياً قاله الضحاك . { سعى } أي أسرع في المشي أو عمل . { فِى الارض لِيُفْسِدَ فِيهَا } ما أمكنه . { وَيُهْلِكَ الحرث والنسل } كما فعله الأخنس ، أو كما يفعله ولاة السوء بالقتل والإتلاف ، أو بالظلم الذي يمنع الله تعالى بشؤمه القطر ، والحرث الزرع والنسل كل ذات روح يقال نسل ينسل نسولاً إذا خرج فسقط ، ومنه نسل وبر البعير أو ريش الطائر ، وسمي العقب من الولد نسلاً لخروجه من ظهر أبيه وبطن أمه ، وذكر الأزهري/ أن الحرث هنا النساء والنسل الأولاد ، وعن الصادق أن الحرث في هذا الموضع الدين والنسل الناس ، وقرئ ( ويهلك الحرث والنسل ) على أن الفعل للحرث والنسل ، والرفع للعطف على { سعى } وقرأ الحسن بفتح اللام وهي لغة أبى يأبى وروي عنه ( ويهلك ) على البناء للمفعول .

{ والله لاَ يُحِبُّ الفساد } لا يرضى به فاحذروا غضبه عليه ، والجملة اعتراض للوعيد واكتفى فيها على الفساد لانطوائه على الثاني لكونه من عطف العام على الخاص ، ولا يرد أن الله تعالى مفسد للأشياء قبل الإفساد ، فكيف حكم سبحانه بأنه لا يحب الفساد ، لأنه يقال : الإفساد كما قيل في الحقيقة إخراج الشيء عن حالة محمودة لا لغرض صحيح وذلك غير موجود في فعله تعالى ولا هو آمر به ، وما نراه من فعله جل وعلا إفساداً فهو بالإضافة إلينا ، وأما بالنظر إليه تعالى فكله صلاح ، وأما أمره بإهلاك الحيوان مثلاً لأكله فلإصلاح الإنسان الذي هو زبدة هذا العالم ، وأما إماتته فأحد أسباب حياته الأبدية ورجوعه إلى وطنه الأصلي ، وقد تقدم ما عسى أن تحتاجه هنا .

( ومن باب الإشارة ) : { وَإِذَا تولى سعى في الأرض لِيُفْسِدَ فِيهَا } بالقاء الشبه على ضعفاء المريدين { وَيُهْلِكَ الحرث } ويحصد بمنجل تمويهاته زرع الإيمان النابت في رياض قلوب السالكين ويقطع نسل المرشدين { والله لاَ يُحِبُّ الفساد } [ البقرة : 5 20 ] فكيف يدعي هذا الكاذب محبة الله تعالى ويرتكب ما لا يحبه