إنما الناموس المقرر والسنة المطردة ألا يكون هناك لهو ، إنما يكون هناك جد ، ويكون هناك حق ، فيغلب الحق الأصيل على الباطل العارض :
( بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ) . .
و( بل )للإضراب عن الحديث في موضوع اللهو ؛ والعدول عنه إلى الحديث في الواقع المقرر الذي تجري به السنة ويقتضيه الناموس . وهو غلبة الحق وزهوق الباطل .
والتعبير يرسم هذه السنة في صورة حسية حية متحركة . فكأنما الحق قذيفة في يد القدرة . تقذف به على الباطل ، فيشق دماغه ! فإذا هو زاهق هالك ذاهب . .
هذه هي السنة المقررة ، فالحق أصيل في طبيعة الكون ، عميق في تكوين الوجود . والباطل منفي عن خلقة هذا الكون أصلا ، طاريء لا أصالة فيه ، ولا سلطان له ، يطارده الله ، ويقذف عليه بالحق فيدمغه . ولا بقاء لشيء يطارده الله ؛ ولا حياة لشيء تقذفه يد الله فتدمغه !
ولقد يخيل للناس أحيانا أن واقع الحياة يخالف هذه الحقيقة التي يقررها العليم الخبير . وذلك في الفترات التي يبدو فيها الباطل منتفشا كأنه غالب ، ويبدو فيها الحق منزويا كأنه مغلوب . وإن هي إلا فترة من الزمان ، يمد الله فيها ما يشاء ، للفتنة والابتلاء . ثم تجري السنة الأزلية الباقية التي قام عليها بناء السماء والأرض ؛ وقامت عليها العقائد والدعوات سواء بسواء .
والمؤمنون بالله لا يخالجهم الشك في صدق وعده ؛ وفي أصالة الحق في بناء الوجود ونظامه ؛ وفي نصرة الحق الذي يقذف به على الباطل فيدمغه . . فإذا ابتلاهم الله بغلبة الباطل حينا من الدهر عرفوا أنها الفتنة ؛ وأدركوا أنه الابتلاء ؛ وأحسوا أن ربهم يربيهم ، لأن فيهم ضعفا أو نقصا ؛ وهو يريد أن يعدهم لاستقبال الحق المنتصر ، وأن يجعلهم ستار القدرة ، فيدعهم يجتازون فترة البلاء يستكملون فيها النقص ويعالجون فيها الضعف . . وكلما سارعوا إلى العلاج قصر الله عليهم فترة الابتلاء ، وحقق على أيديهم ما يشاء . أما العاقبة فهي مقررة : ( بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق )والله يفعل ما يريد .
وقوله تعالى : { بَلْ نَقْذِفُ بالحق عَلَى الباطل } إضراب عن اتخاذ اللهو واللعب بل عن إرادة الاتخاذ كأنه قيل لكنا لا نريده بل شأننا أن نغلب الحق الذي من جملته الجد على الباطل الذي من جملته اللهو ، وتخصيص هذا الشأن من بين سائر شؤونه تعالى بالذكر للتخلص لما سيأتي إن شاء الله تعالى من الوعيد ، وعن مجاهد أن الحق القرآن والباطل الشيطان ، وقيل الحق الحجة والباطل شبههم ووصفهم الله تعالى بغير صفاته من الولد وغيره ، والعموم هو الأولى ، وأصل القذف الرمي البعيد كما قال الراغب وهو مستلزم لصلابة الرمي وقد استعير للإيراد أي نورد الحق على الباطل .
{ فَيَدْمَغُهُ } أي يمحقه بالكلية كما فعلنا بأهل القرى المحكمة ، وأصل الدمغ كسر الشيء الرخو الأجوف وقد استعير للمحق .
وجوز أن يكون هناك تمثيل لغلبة الحق على الباطل حتى يذهبه برمي جرم صلب على رأس دماغه رخو ليشقه ، وفيه إيماء إلى علو الحق وتسفل الباطل وأن جانب الأول باق والثاني فان ، وجوز أيضاً أن يكون استعارة مكنية بتشبيه الحق بشيء صلب يجىء من مكان عال والباطل بجرم رخو أجوف سافل ، ولعل القول بالتمثيل أمثل ، وقرأ عيسى ابن عمر { فَيَدْمَغُهُ } بالنصب ، وضعف بأن ما بعد الفاء إنما ينتصب بإضمار أن لا بالفاء خلافاً للكوفيين في جواب الأشياء الستة وما هنا ليس منها ولم ير مثله إلا في الشعر كقوله
: سأترك منزلي لبني تميم *** وألحق بالحجاز فاستريحا
على أنه قد قيل في هذا إن استريحا ليس منصوباً بل مرفوع مؤكد بالنون الخفيفة موقوف عليه بالألف ، ووجه بأن النصب في جواب المضارع المستقيل وهو يشبه التمني في الترقب ، ولا يخفى أن المعنى في الآية ليس على خصوص المستقبل ، وقد قالوا إن هذا التوجيه في البيت ضعيف فيكون ما في الآية أضعف منه مأخذاً والعطف على هذه القراءة على الحق عند أبي البقاء ، والمعنى بل نقذف بالحق فندمغه على الباطل أي نرمي بالحق فإبطاله به .
وذكر بعض الأفاضل أنه لو جعل من قبيل علفتها تبناً وماءً بارداً صح ، واستظهر أن العطف على المعنى أي نفعل بالقذف فالدمغ ، وقرئ { فَيَدْمَغُهُ } بضم الميم والغين { فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ } أي ذاهب بالكلية وفي إذا الفجائية والجملة الاسمية من الدلالة على كمال المسارعة في الذهاب والبطلان ما لا يخفى فكأنه زاهق من الأصل .
{ وَلَكُمُ الويل مِمَّا تَصِفُونَ } وعيد لقريش أو لجميع الكفار من العرب بأن لهم أيضاً مثل ما لأولئك من العذاب والعقاب ، وما تعليلية متعلقة بالاستقرار الذي تعلق به الخبر أو بمحذوف هو حال من الويل على مذهب بعضهم أو من ضميره المستتر في الخبر ، وما إما مصدرية أو موصولة أو موصوفة أي ومستقر لكم الويل والهلاك من أجل وصفكم له تعالى بما لا يليق بشأنه الجليل تعالى شأنه أو بالذي تصفونه أو بشيء تصفونه به من الولد ونحوه أو كائناً مما تصفونه عز وجل به ، وكون الخطاب لمن سمعت مما لا خفاء فيه ولا بعد ، وأبعد كل البعد من قال : إنه خطاب لأهل القرى على طريق الالتفات من الغيبة في قوله تعالى : { فَمَا زَالَت تِلْكَ دَعْوَاهُمْ } [ الأنبياء : 15 ] إليه .
هذا ومن باب الإشارة :وفي قوله تعالى : { بَلْ نَقْذِفُ بالحق عَلَى الباطل فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ } [ الأنبياء : 18 ] إشارة إلى أن مداومة الذكر سبب لانجلاء الظلمة عن القلب وتطهره من دنس الأغيار بحيث لا يبقى فيه سواه سبحانه ديار
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.