في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَٱعۡتَصَمُواْ بِهِۦ فَسَيُدۡخِلُهُمۡ فِي رَحۡمَةٖ مِّنۡهُ وَفَضۡلٖ وَيَهۡدِيهِمۡ إِلَيۡهِ صِرَٰطٗا مُّسۡتَقِيمٗا} (175)

( فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ، ويهديهم إليه صراطا مستقيمًا ) . .

والاعتصام بالله ثمرة ملازمة للإيمان به . . متى صح الإيمان ، ومتى عرفت النفس حقيقة الله وعرفت حقيقة عبودية الكل له . فلا يبقى أمامها إلا أن تعتصم بالله وحده . وهو صاحب السلطان والقدرة وحده . . وهؤلاء يدخلهم الله في رحمة منه وفضل . رحمة في هذه الحياة الدنيا - قبل الحياة الأخرى - وفضل في هذه العاجلة - قبل الفضل في الآجلة - فالإيمان هو الواحة الندية التي تجد فيها الروح الظلال من هاجرة الضلال في تيه الحيرة والقلق والشرود . كما أنه هو القاعدة التي تقوم عليها حياة المجتمع ونظامه ؛ في كرامة وحرية ونظافة واستقامة - كما أسلفنا - حيث يعرف كل إنسان مكانه على حقيقته . عبد لله وسيد مع كل من عداه . . وليس هذا في أي نظام آخر غير نظام الإيمان - كما جاء به الإسلام - هذا النظام الذي يخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده . حين يوحد الألوهية ؛ ويسوي بين الخلائق جميعا في العبودية . وحيث يجعل السلطان لله وحده والحاكمية لله وحده ؛ فلا يخضع بشر لتشريع بشر مثله ، فيكون عبدا له مهما تحرر !

فالذين آمنوا في رحمة من الله وفضل ، في حياتهم الحاضرة ، وفي حياتهم الآجلة سواء . .

ويهديهم إليه صراطا مستقيمًا . .

وكلمة ( إليه ) . . تخلع على التعبير حركة مصورة . إذ ترسم المؤمنين ويد الله تنقل خطاهم في الطريق إلى الله على استقامة ؛ وتقربهم إليه خطوة خطوة . . وهي عبارة يجد مدلولها في نفسه من يؤمن بالله على بصيرة ، فيعتصم به على ثقة . . حيث يحس في كل لحظة أنه يهتدي ؛ وتتنضح أمامه الطريق ؛ ويقترب فعلا من الله كأنما هو يخطو إليه في طريق مستقيم .

إنه مدلول يذاق . . ولا يعرف حتى يذاق !

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَٱعۡتَصَمُواْ بِهِۦ فَسَيُدۡخِلُهُمۡ فِي رَحۡمَةٖ مِّنۡهُ وَفَضۡلٖ وَيَهۡدِيهِمۡ إِلَيۡهِ صِرَٰطٗا مُّسۡتَقِيمٗا} (175)

{ فَأَمَّا الذين ءامَنُواْ بالله } حسبما يوجبه البرهان الذي جاءهم { واعتصموا بِهِ } أي عصموا به سبحانه أنفسهم مما يرديها من زيغ الشيطان وغيره . وأخرج ابن جرير . وغيره عن ابن جريج أن الضمير راجع إلى القرآن أعني النور المبين ، وهو خلاف الظاهر { فَسَيُدْخِلُهُمْ فِى رَحْمَةٍ مَّنْهُ } أي ثواب عظيم قدره بإزاء إيمانهم وعملهم رحمة منه سبحانه لا قضاءاً لحق واجب ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن المراد بالرحمة الجنة ، فعلى الأول : التجوز في كلمة { فِى } لتشبيه عموم الثواب وشموله بعموم الظرف ، وعلى الثاني : التجوز في المجرور دون الجار قاله الشهاب والبحث في ذلك شهير ومنه متعلق بمحذوف وقع صفة مشرفة لرحمة { وَفَضَّلَ } أي إحسان لا يقادر قدره زائد على ذلك .

{ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ } أي إلى الله عز وجل ، والمراد في المشهور إلى عبادته سبحانه ، وقيل : الضمير عائد على جميع ما قبله باعتبار أنه موعود ، وقيل : على الفضل { صراطا مُّسْتَقِيماً } هو الإسلام والطاعة في الدنيا ، وطريق الجنة في الأخرى ، وتقديم ذكر الوعد بالإدخال في الرحمة الثواب أو الجنة على الوعد بهذه الهداية للمسارعة إلى التبشير بما هو المقصد الأصلي . وفي وجه انتصاب { صِرَاطاً } أقوال ، فقيل : إنه مفعول ثانٍ لفعل مقدر أي يعرفهم صراطاً ، وقيل : إنه مفعول ثان ليهديهم باعتبار تضمينه معنى يعرفهم ، وقيل : مفعول ثان له بناءاً على أن الهداية تتعدى إلى مفعولين حقيقة . ومن الناس من جعل { إِلَيْهِ } متعلقاً بمقدر أي مقربين إليه ، أو مقرباً إياهم إليه على أنه حال من الفاعل أو المفعول ، ومنهم من جعله حالاً من صراطاً ثم قال : ليس لقولنا : ( يهديهم ) طريق الإسلام إلى عبادته كبير معنى ، فالأوجه أن يجعل { صِرَاطاً } بدلاً من { إِلَيْهِ } وتعقبه عصام الملة والدين بأن قولنا : يهديهم طريق الإسلام موصلاً إلى عبادته معناه واضح ، ولا وجه لكون { صِرَاطاً } بدلاً من الجار والمجرور فافهم .

( وهذا ومن باب الإشارة ) :{ فَأَمَّا الذين ءامَنُواْ بالله واعتصموا بِهِ } ولم يلتفتوا إلى الأغيار من حيث أنها أغيار { فَسَيُدْخِلُهُمْ فِى رَحْمَةٍ مَّنْهُ } وهي جنات الأفعال { وَفَضَّلَ } وهو جنات الصفات { وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صراطا مُّسْتَقِيماً } [ النساء : 175 ] وهو الفناء في الذات ، أو الرحمة جنات الصفات ، و الفضل جنات الذات ؛ و الهداية إليه صراطاً مستقيماً الاستقامة على الوحدة في تفاصيل الكثرة ، ولا حجر على أرباب الذوق ، فكتاب الله تعالى بحر لا تنزفه الدلاء ، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل ، ونسأله التوفيق لفهم كلامه ، وشرح صدورنا بعوائد إحسانه وموائد إنعامه لا رب غيره ولا يرجى إلا خيره .