في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذۡ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلۡمَلَـٰٓئِكَةُ يَضۡرِبُونَ وُجُوهَهُمۡ وَأَدۡبَٰرَهُمۡ وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ} (50)

وأخيراً يعرض السياق القرآني مشهداً من مشاهد التدخل الإلهي في المعركة ، والملأ الأعلى من الملائكة - بأمر الله وإذنه - يشارك في أخذ الذين كفروا بالتعذيب والتأنيب ؛ والملائكة يقبضون أرواحهم في صورة منكرة ، ويؤذونهم أذى مهيناً - جزاء على البطر والاستكبار - ويذكرونهم في أشد اللحظات ضيقا وحرجا بسوء أعمالهم وبسوء مآلهم ، جزاء وفاقاً لا يظلمهم الله فيه شيئاً . . ويقرر السياق في إثر عرض هذا المشهد أن أخذ الكفار بتكذيبهم سنة ماضية : ( كدأب آل فرعون والذين من قبلهم ) ( ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) وأنه كذلك أخذ فرعون وملأه ، وكذلك يأخذ كل من يفعل فعله ويشرك شركه :

( ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم ، وذوقوا عذاب الحريق . ذلك بما قدمت أيديكم ، وأن الله ليس بظلام للعبيد . كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كفروا بآيات الله ، فأخذهم الله بذنوبهم ، إن الله قوي شديد العقاب . ذلك بأن الله لم يك مغيراً نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ، وأن الله سميع عليم . كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآيات ربهم ، فأهلكناهم بذنوبهم ، وأغرقنا آل فرعون . وكل كانوا ظالمين ) .

والآيتان الأوليان في هذا المقطع :

( ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم ، وذوقوا عذاب الحريق ، ذلك بما قدمت أيديكم ، وأن الله ليس بظلام للعبيد ) . .

قد تعنيان حال المشركين يوم بدر ؛ والملائكة تشترك في المعركة - كما قال لهم الله سبحانه : ( فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان . ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ، ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب ) . . وإن كنا - كما قلنا عند استعراض هذا النص في الجزء التاسع - لا ندري كيف تضرب الملائكة فوق الأعناق وكل بنان . ولكن جهلنا بالكيفية لا يدعونا إلى تأويل هذا النص عن مدلوله الظاهر ؛ وهو أن هناك أمراً من الله للملائكة بالضرب ، وأن الملائكة ( لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ) . . وتكون هاتان الآيتان هنا تذكيراً بما كان يوم بدر ؛ وتكملة لحكاية فعل الملائكة فيه بالذين كفروا . .

كما أن هاتين الآيتين قد تعنيان حالة دائمة كلما توفت الملائكة الذين كفروا . . في يوم بدر وفي غيره . . ويكون قوله تعالى : ( ولو ترى ) . . موجهاً توجيه الخطاب لكل من يرى ، كما يكثر مثل هذا الاسلوب في التوجيه إلى المشاهد البارزة التي من شأنها أن يتوجه إليها كل من يرى .

وسواء كان هذا أو ذاك . فالتعبير القرآني يرسم صورة منكرة للذين كفروا ، والملائكة تستل منهم أرواحهم في مشهد مهين ؛ يضيف المهانة والخزي ، إلى العذاب والموت :

( ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم ) . .

ثم يتحول السياق من صيغة الخبر إلى صيغة الخطاب :

( وذوقوا عذاب الحريق ) .

ليرد المشهد حاضراً كأنه اللحظة مشهود ؛ وكأنما جهنم بنارها وحريقها في المشهد وهم يدفعون إليها دفعاً مع التأنيب والتهديد :

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذۡ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلۡمَلَـٰٓئِكَةُ يَضۡرِبُونَ وُجُوهَهُمۡ وَأَدۡبَٰرَهُمۡ وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ} (50)

{ وَلَوْ تَرَى } خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أو لكل أحد ممن له حظ من الخطاب ، والمضارع هنا بمعنى الماضي لأن { لَوْ } الامتناعية ترد المضارع ماضياً كما أن إن ترد الماضي مضارعاً ، أي ولو رأيت { إِذْ يَتَوَفَّى الذين كَفَرُواْ الملائكة } الخ لرأيت أمراً فظيعاً ، ولا بد عند العلامة من حمل معنى المضي هنا على الفرض والتقدير ، وليس المعنى على حقيقة المضي ، قيل : والقصد إلى استمرار امتناع الرؤية وتجدده وفيه بحث ، وإذ ظرف لترى والمفعول محذوف ، أي ولو ترى الكفرة أو حالهم حينئذٍ ، و { الملائكة } فاعل يتوفى ، وتقديم المفعول للاهتمام به ، ولم يؤنث الفعل لأن الفاعل غير حقيقي التأنيث ، وحسن ذلك الفصل بينهما ، ويؤيد هذا الوجه قراءة ابن عامر { *تتوقى } بالتاء . وجوز أبو البقاء أن يكون الفاعل ضمير الله تعالى ، والملائكة على هذا مبتدأ خبره جملة { الملائكة يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ } والجملة الاسمية مستأنفة ، وعند أبي البقاء في موضع الحال ، ولم يحتج إلى الواو لأجل الضمير ، ومن يرى أنه لا بد فيها من الواو وتركها ضعيف يلتزم الأول ، وعلى الأول يحتمل أن يكون جملة يضربون مستأنفة وأن تكون حالاً من الفاعل أو المفعول أو منهما لاشتمالها على ضميريهما وهي مضارعية يكتفي فيها بالضمير كما لا يخفى . والمراد من وجوههم ما أقبل منهم ، ومن قوله سبحانه : { وأدبارهم } ما أدبر وهو كل الظهر . وعن مجاهد أن المراد منه أستاههم ولكن الله تعالى كريم يكنى والأول أولى ، وذكرهما يحتمل أن يكون للتخصيص بهما لأن الخزي والنكال في ضربهما أشد ويحتمل أن يراد التعميم على حد قوله تعالى : { بالغدو والاصال } [ الأعراف : 205 ] لأنه أقوى ألماً ، والمراد من الذين كفروا قتلى بدر كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وغيره .

وروي عن الحسن أن رجلاً قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إني رأيت بظهر أبي جهل مثل الشراك فقال عليه الصلاة والسلام : ذلك ضرب الملائكة . وفي رواية عن ابن عباس ما يشعر بالعموم . فقد أخرج ابن أبي حاتم عنه أنه قال : آيتان يبشر بهما الكافر عند موته وقرأ { وَلَوْ تَرَى } الخ ، ولعل الرواية عنه رضي الله تعالى عنه لم تصح { وَذُوقُواْ عَذَابَ الحريق } عطف على { يَضْرِبُونَ } بإضمار القول ، أي ويقولون ذوقوا ، أو حال من ضميره كذلك أي ضاربين وجوههم وقائلين ذوقوا ، وهو على الوجهين من قول الملائكة ، والمراد بعذاب الحريق عذاب النار في الآخرة ، فهو بشارة لهم من الملائكة بما هو أدهى وأمر مما هم فيه ، وقيل كان مع الملائكة يوم بدر مقامع من حديد كلما ضربوا المشركين بها التهبت النار في جراحاتهم ، وعليه فالقول للتوبيخ ، والتعبير بذوقوا قيل : للتهكم لأن الذوق يكون في المطعومات المستلذة غالباً ، وفيه نكتة أخرى وهو أنه قليل من كثير وأنه مقدمة كأنموذج الذائق . وبهذاالاعتبار يكون فيه المبالغة ، وإن أشعر الذوق بقلته .

وذكر بعضهم : وهو خلاف الظاهر أنه يحتمل أن يكون هذا القول من كلام الله تعالى كماف ي آل عمران { وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ الحريق } [ آل عمران : 181 ] وجواب { لَوْ } محذوف لتفظيع الأمر وتهويله وتقديره ما أشرنا إليه سابقاً ، وقدره الطيبي لرأيت قوة أوليائه ونصرهم على أعدائه

( ومن باب الإشارة ) :{ وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الذين كَفَرُواْ } وهم الذين غلبت عليهم صفات النفس { الملائكة } أي ملائكة القهر والعذاب { يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ } لإعراضهم عن عالم الأنوار ومزيد الكبر والعجب { وأدبارهم } لميلهم إلى عالم الطبيعة ومضاعف الشهوة والحرص ويقولون لهم { ذُوقُواْ عَذَابَ الحريق } [ الأنفال : 50 ] وهو عذاب الحرمان وفوات المقصود