وبعد هذا التعقيب يمضي في الاستعراض لما يقول المستخلفون :
( ويقولون : لولا أنزل عليه آية من ربه ! فقل : إنما الغيب لله ، فانتظروا إني معكم من المنتظرين ) .
فكل الآيات التي يحتويها هذا الكتاب العظيم المعجز لا تكفيهم . وكل آيات الله المبثوثة في تضاعيف الكون لا تكفيهم . وهم يقترحون خارقة كخوارق الرسل في الأمم قبلهم . غير مدركين طبيعة الرسالة المحمدية . وطبيعة معجزتها . فهي ليست معجزة وقتية تنتهي بمشاهدة جيل ، إنما هي المعجزة الدائمة التي تخاطب القلب والعقل في جيل بعد جيل .
ويوجه الله رسوله أن يحيلهم على الله الذي يعلم ما في غيبه ، ويقدر إن كان سيبرز لهم خارقة أو لا يبرز :
( فقل : إنما الغيب لله . فانتظروا إني معكم من المنتظرين ) . .
وهو جواب في طيه الإمهال وفي طيه التهديد . . وفي طيه بعد ذلك بيان حدود العبودية في جانب الألوهية . فإن محمدا [ ص ] وهو أعظم الأنبياء المرسلين ، لا يملك من أمر الغيب شيئا ، فالغيب كله لله . ولا يملك من أمر الناس شيئا ، فأمرهم موكول إلى الله . . وهكذا يتحدد مقام العبودية في جانب مقام الألوهية ، ويخط خط بارز فاصل بين الحقيقتين لا شبهة بعده ولا ريبة
قوله تعالى : { ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه فقل إنما الغيب لله فانتظروا إني معكم من المنتظرين } المقصود أهل مكة ؛ إذ قالوا : هلا أنزل على الرسول صلى الله عليه وسلم { آية } أي معجزة . وذلك كأن يحول لهم الصفا ذهبا ، أو يزيل عنهم جبال مكة ليجعل مكانها بساتين ، أو يكون له بيت من زخرف ، أو يحيي لهم من مات من آبائهم ، أو نحو ذلك مما سألوه النبي صلى الله عليه وسلم إياه . وليس ذلك إلا من باب التكذيب والجحود والمعاندة واستمراء الباطل . ولو كان هؤلاء المشركون الضالون أسوياء كراما ، أو كانوا أولي قلوب مبرأة غير غلف ، أو أولي بصائر سليمة ومستقيمة ، لاكتفوا بمعجزة القرآن ؛ فهي المعجزة الخالدة التالدة التي تفوق كل صور المعجزات ، ولئن كان ما طلبوه إنما يدور في فلك الحسن المنظور أو المادة الملموسة مما يزول أو يفني بمرور الزمن الذي وقت فيه كالذي أوتيه النبيون السابقون ؛ فإن معجزة القرآن باقية بقاء الدهر والزمان . بل إن الدهر والزمان يفنيان أو ينقضيان ، ومعجزة القرآن لا تفنى ولا تنقضي ؛ لأنها بنيت على الجوهر بما يعنيه ذلك من حقائق كونية وعلوم الدين والدنيا . لا جرم أن أسس وقواعد ثوابت لا تزول ولا تتبدد .
قوله : { فقل إنما الغيب لله } أي إنزال مثل هذه الآيات غيب والله وحده هو الذي يختص بعلم الغيب ؛ فهو أعلم بالصارف عن إنزال ما سألوه من الآيات وما في ذلك من حكمة هو أعلم بها { فانتظروا إني معكم من المنتظرين } أي انتظروا أيها المشركون المعاندون ما سيقضيه الله بيننا وبينكم وهو تعجيل العقاب للمبطل منا وإظهار المحق .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.