وقولة أخرى يقولونها . وقد قالوها مرارا : إن هذا القرآن مفترى . فتحدهم إذن أن يفتروا عشر سور كسوره ، وليستعينوا بمن يشاءون في هذا الافتراء :
( أم يقولون افتراه ؟ قل : فأتوا بعشر سور مثله مفتريات . وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين ) .
ولقد سبق أن تحداهم بسورة واحدة في سورة يونس ، فما التحدي بعد ذلك بعشر سور ؟
قال المفسرون القدامى : إن التحدي كان على الترتيب : بالقرآن كله ، ثم بعشر سور ، ثم بسورة واحدة . ولكن هذا الترتيب ليس عليه دليل . بل الظاهر أن سورة يونس سابقة والتحدي فيها بسورة واحدة ، وسورة هود لاحقة والتحدي فيها بعشر سور . وحقيقة إن ترتيب الآيات في النزول ليس من الضروري أن يتبع ترتيب السور . فقد كانت تنزل الآية فتلحق بسورة سابقة أو لاحقة في النزول . إلا أن هذا يحتاج إلى ما يثبته . وليس في أسباب النزول ما يثبت أن آية يونس كانت بعد آية هود . والترتيب التحكمي في مثل هذا لا يجوز .
ولقد حاول السيد رشيد رضا في تفسير المنار أن يجد لهذا العدد ( عشر سور )علة ، فأجهد نفسه طويلا - رحمة الله عليه - ليقول : إن المقصود بالتحدي هنا هو القصص القرآني ، وأنه بالاستقراء يظهر أن السور التي كان قد نزل بها قصص مطول إلى وقت نزول سورة هود كانت عشرا . فتحداهم بعشر . . لأن تحديهم بسورة واحدة فيه يعجزهم أكثر من تحديهم بعشر نظرا لتفرق القصص وتعدد أساليبه ، واحتياج المتحدي إلى عشر سور كالتي ورد فيها ليتمكن من المحاكاة إن كان سيحاكى . . الخ
ونحسب - والله أعلم - أن المسألة أيسر من كل هذا التعقيد . وأن التحدي كان يلاحظ حالة القائلين وظروف القول ، لأن القرآن كان يواجه حالات واقعة محددة مواجهة واقعة محددة . فيقول مرة : ائتوا بمثل هذا القرآن . أو ائتوا بسورة ، أو بعشر سور . دون ترتيب زمني . لأن الغرض كان هو التحدي في ذاته بالنسبة لأي شيء من هذا القرآن . كله أو بعضه أو سورة منه على السواء . فالتحدي كان بنوع هذا القرآن لا بمقداره . والعجز كان عن النوع لا عن المقدار . وعندئذ يستوي الكل والبعض والسورة . ولا يلزم ترتيب ، إنما هو
مقتضى الحالة التي يكون عليها المخاطبون ، ونوع ما يقولون عن هذا القرآن في هذه الحالة . فهو الذي يجعل من المناسب أن يقال سورة أو عشر سور أو هذا القرآن . ونحن اليوم لا نملك تحديد الملابسات التي لم يذكرها لنا القرآن .
( وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين ) . .
ادعوا شركاءكم وفصحاءكم وبلغاءكم وشعراءكم وجنكم وإنسكم . وأتوا بعشر سور فقط مفتريات ، إن كنتم صادقين في أن هذا القرآن مفترى من دون الله !
قوله : { أم يقولون افتراه } { أم } منقطعة بمعنى بل والهمزة . والمعنى : أيقولون افتراه ؟ أي اختلقه وتقوله ، والاستفهام للتوبيخ والتقريع . قوله : { قل فاتوا بعشر سور مثله مفتريات } يعني إن كان ما أنبأكم به من هذا القرآن مختلفا ؛ فإني أتحداكم أن تأتوا بعشر سور مختلفات –في زعمكم- من مثل هذا القرآن . وهذه مرحلة ثانية من مراحل التحدي للعرب ؛ فقد تحداهم الله أول مرة أن يأتوا بمثل القرآن إن استطاعوا . وهم أعجز أن يأتوا ببضع آيات من مثله . والآن يأمر الله نبيه أن يتحداهم بالإتيان بعشر سور من مثل سوره . وهم في كل مرة لا يخفون عجزهم المطبق عن معارضة هذا الكتاب الحكيم ، مع أنهم الفصحاء والبلغاء ، وفيهم جهابذة البيان وأقطاب اللسن ، وهم أقدر الناس على إدراك فنون اللغة ، ما بيت منثور ومسجوع وشعر أو خطابه تتدفق ألفاظها من أفواه النابغين المصاقع ؛ لكنهم مع عراقتهم وبراعتهم في ذلك كله قد انتكسوا مخذولين دون أن يقتدروا على مضاهاة القرآن الكريم في روعة نظمه وأسلوبه ، وجمال رصفه ومبناه ، وكمال مضمونه وما حواه من عظيم المعاني والعلوم . كل ذلك لا جرم يزجي بقاطع الدلالة على أن هذا الكتاب معجز ، وأنه من كلام الله .
قوله : { وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين } أي ادعوا من استطعتم أن تدعوهم من العوان والأنداد سواء كانوا من البشر أو ممن تعبدون من الأوثان لافتراء ذلك واختلافه { إن كنتم صادقين } أن هذا القرآن مفترى ، أو أنه قد اختلقه محمد بزعمكم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.